امي سمعت ابويا بيكلم واحده تانيه
اماني سيد
البركة لما تحل في مكان بتغير كل الموازين… وده اللي حصل مع ماما بالظبط.
المحل الصغير مابقاش مجرد مكان لبيع الخضار بالقطاعي، ده بقى الخلية اللي ما بتهدأش. من كتر الإقبال والضغط، ماما مابقتش قادرة تقف لوحدها، فبدأت تشغل عندها شباب من الحارة وستات غلابة محتاجين اللقمة الحلال، وكانت بتعاملهم كأنهم أهلها، تراضيهم وتتقي ربنا فيهم قبل أي حاجة.
ولأن اللي بيتاجر مع ربنا ما بيخسرش، شغلها ضرب في السوق كله. بقت تجيب بضاعتها رأساً من المزارع والوكالة، والخضار يوصل عندها صابح وبأحسن سعر. بعد سنة واحدة بس، فتحت الفرع الثاني في الشارع الرئيسي، وكان أكبر وأفخم، وبقت اليافطة المكتوب عليها اسم المحل تنور الشارع كله.
كبرت التجارة وسرحت في المحافظات، وماما تحولت من ست كان المطلوب منها تخدم في البيوت عشان ناكل، لأكبر تاجرة خضار وجملة في المنطقة كلها! بقت عربيات النقل الضخمة تقف تحت بيتنا من الفجر حمل وتفرغ لحسابها، والتجار الكبار اللي كانوا زمان بيبصولها بشرز بقوا يعملولها ألف حساب وبيجيئوا لحد عندها يستأذنوها في الصفقات.
ورغم كل العز والفلوس والاسم اللي هز السوق، ماما ما اتغيرتش ولا لحظة… فضلت هي هي الست البسيطة، اللي يدها مفتوحة للفقير قبل الغني، واللي أول حاجة عملتها لما ربنا فتحها عليها، إنها أمنت حياتنا، وكبرتنا وأنا وأخويا في أحسن المدارس والجامعات، وهي مرفوعة الرأس، عشان تثبت للدنيا كلها إن اللي يراهن على كرامته ورزق ربنا… عمره ما يخسر أبداً.
وفضل الشغل يكبر ويكبر، والخير يفيض علينا من كل ناحية، لحد ما جه اليوم اللي الدنيا دارت فيه دورتها الحقيقية، ورجعت الحقوق لأصحابها.
في يوم، كنت واقفة مع ماما في المحل الكبير، وهي بتراجع مع العمال حسابات نقلة الخضار الجديدة. فجأة، الحركة هديت في المحل، والعمال وقفوا ينظروا للباب بذهول.
رفعت عيني… ولقيته هو.
بابا واقف عند الباب، بس مكنش بابا بتاع زمان… مكنش الراجل المغرور اللي كان لابس أحسن طقم ورامي ورق الطلاق في وشنا. كان باين عليه التعب والهدة، هدومه دبلانة، وعينيه مكسورة ومليانة ندم وحسرة. “أميرة” هانم اللي باعنا عشانها أخدت الفلوس والشقة أول ما شغله وقف وخسر كل حاجة، ورمته في الشارع زي ما رمى أمي زمان.