قلت لها بصوت هادي وبترجي: “يا ماما.. عشان خاطري، اكدبي على الدكاترة. قوليلهم إنك بقيتي كويسة، ولو سألوكي عن اليوم ده، قوليلهم خلاص.. أنا كنت فاهمة غلط، كان كابوس وسوء فهم وخلاص عدى. اعملي كده عشان تخرجي وتكوني معايا في فرحي!”
أمي بصت بحده وقالت: “بس أنا مش فاهمة غلط يا نسمة! أنا شوفته!”
أنا خفت تروح في نوبة الصريخ العادية والدكاترة يجوا يجروها، فرديت عليها بسرعة وبلهفة عشان أهديها: “عارفة يا ماما.. عارفة، بس احنا هنضحك عليهم بس! هنقول كده للدكاترة عشان يوافقوا يخرجوكي وترجعي لنا البيت!”
هنا… حصل أغرب حاجة في حياتي.
أمي صمتت فجأة. . ما صرختش، ولا انهارت، ولا جتلها حالة الجنون اللي متعودين عليها كل سنة.
بصت لي بنظرة غموض وابتسمت ابتسامة هادية جداً. قربت مني، ومسكت إيدي الأيمين بالراحة، وفتحت كفي… وكان جنبها ورقه وقلم بتشخبط فيهم وتتسلى مسكت القلم ورسمت على بطن إيدي علامة صغيرة وغريبة جداً.
أول ما عيني وقعت على العلامة دي، واستوعبت أمي بتعمل ايه وبترسملي ايه…انا اللي حسيت بانهيار وصرخت بقوه ودموعي نزلت زي المطر بشكل هستيري، ما قدرتش أوقفها …
العلامة اللي قلبت حياتي
فضلت باصة على كف إيدي وأنا مش قادرة أصدق اللي شايفاه.
علامة صغيرة جدًا… دايرة، وفي نصها خطين متقاطعين.
لكن أنا كنت عارفاها.
دي مش شخبطة عشوائية.
دي كانت نفس العلامة اللي كنت بشوفها على حاجات أبويا من زمان.
علامة كان بيرسمها دايمًا على آخر صفحة في كراسته، وعلى ظرف فلوسه، وحتى مرة شفتها محفورة بمفتاح صغير على درج مكتبه.
بصيت لأمي ووشي كله دموع، وقلت بصوت متقطع:
“ماما… إنتِ بتقولي إيه؟”
حطت صباعها على بُقها، وأشارت لي إني أوطي صوتي.
وبعدين قربت مني وهمست:
“أبوكي… ما لمسش مايا.”
اتجمدت مكاني.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
قلت لها:
“أمال إنتِ شوفتي إيه؟!”
بصت حوالين نفسها بخوف، وبعدها مسكت إيدي وكتبت بإصبعها على كفي:
“هو كان بيحاول يخليني أصدق إنه شافها.”
أنا ما فهمتش.
فضلت أبص لها وهي بتكمل الرسم على إيدي.
كتبت حرفين.
م. س.
وبعدين حطت إيدها على قلبي وقالت:
“اسألي مايا.”
خرجت من الأوضة وأنا حرفيًا مش حاسة برجلي.
طول الطريق وأنا بسأل نفسي:
ليه أمي قالت الكلام ده من 15 سنة؟
وليه أبويا سابها تدخل مستشفى الأمراض العقلية بدل ما يدافع عنها؟
وليه كل مرة الدكتور يسألها عن اللي حصل كانت بتنهار؟
وليه العلامة اللي رسمتها لي مرتبطة بأبويا؟
لكن السؤال الأخطر كان:
إيه اللي حصل فعلًا في الليلة دي؟
رجعت البيت وأنا مخبية إيدي.
ما حكيتش لأبويا أي حاجة.
لقيت مايا قاعدة في الصالة، بتضحك وهي بتتكلم مع خطيبي عن ترتيبات الفرح.
بصيت لها طويل.
مايا كانت دايمًا أختي الصغيرة.
الطفلة اللي افتكرتها نايمة يومها.
الطفلة اللي عشت 15 سنة وأنا مقتنعة إن أبويا اتهم ظلمًا.
قربت منها وقلت:
“مايا… ممكن أتكلم معاكي لوحدنا؟”
دخلنا أوضتها.
قفلت الباب.
وقلت لها:
“فاكرة اللي حصل ليلة ما ماما دخلت المستشفى؟”
وشها اتغير.
لأول مرة أشوف الرعب ده في عينيها.
قالت:
“ليه بتسألي؟”
قلت:
“ماما قالتلي حاجة النهارده.”
سكتت.
وبعدين سألتني:
“قالتلك إيه؟”
مديت إيدي قدامها.
أول ما شافت العلامة، وشها اصفر.
وقعت على الكرسي.
وبدأت تبكي.
قلت لها:
“إنتِ عارفة العلامة دي؟”
هزت راسها.
وقالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
“أنا اللي طلبت من ماما تسكت.”
اتراجعت خطوة.
“إنتِ؟!”
هزت راسها وهي بتعيط.
“كنت عندي عشر سنين يا نسمة… وماما كانت فاكرة إني نايمة.”
“لكن أنا ما كنتش نايمة.”
سكتت لحظات.
وبعدين قالت:
“أنا شفت كل حاجة.”
قعدت جنبها وأنا مش قادرة أتنفس.
قالت:
“وأبوكي… كان واقف قدام باب أوضتي.”
“لكن اللي حصل مش زي ما ماما قالت.”
سألتها:
“أمال إيه اللي حصل؟”
مايا بصتلي في عيني وقالت:
“أبوكي ما كانش بيعتدي عليا.”
سكتت لحظة.
“كان بيحميني.”
وقتها فهمت إن الـ15 سنة اللي فاتوا ماكانوش مجرد سوء فهم.
كان فيه سر أكبر.
سر خلى أمي تدخل مستشفى.
وسر خلى أبويا يعيش كل السنين دي وهو ساكت.
وسر مايا كانت شايلة وزنه لوحدها.
لكن قبل ما أعرف الحقيقة كاملة، مايا قالت:
“في حد تاني كان موجود في البيت الليلة دي.”
سألتها:
“مين؟”
إتبعنا