لقيت طليقتي
منى السيد
ضغطت على زرار الاتصال بمريم. جرس.. اتنين.. وثالث رنة ردت بصوتها الناعم اللي كان زمان بيريحني والدلوقتي بيجيب لي التقيؤ:
— «أهلاً يا علي حبيبي! إيه الأخبار؟ أنت خلصت اجتماعك؟»
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أظبط نبرة صوتي علشان ما تبانش فيها الشك أو الغضب، طلعت صوتي مجهد ومطفي زي ما بكون متعود:
— «أيوه يا مريم.. خلصت. بقولك إيه، أنا كنت بفكر في الموضوع اللي كنا اتكلمنا فيه بتاع الدار ومصاريف بابا.»
— «ماله يا علي؟» صوتها اتغير سنة، بقى فيه حذر مفاجئ. «فيه حاجة ولا إيه؟ الدار كلموك؟»
— «لا لا خالص.. بس أنا حسيت إنك شايلة هم كبير أوي مع بابا، وأنا مسافر دمياط بكرة الصبح بدري أخلص شوية عقود في المعرض الرئيسي. كنت عايزك تجيلي المعرض على الساعة ١٢ الضهر كدة.. فيه أوراق عايزك توقعي عليها.»
— «أوراق إيه يا علي؟» سألت بلهفة حاولت تخبيها.
— «أنا قررت أتنازل لك عن ٢٠٪ من أسهم المعرض الرئيسي، كتابة وهبة مني ليكي.. تقديرًا للمجهود اللي بتعمليه مع بابا، وعشان أؤمن مستقبلك ومستقبل عيالك لو جرى لي حاجة.»
السكوت ساد على الخط لخمس ثواني كاملين. كنت حاسس بضربات قلبها الهربانة من الفرحة عبر الأثير. سمعت نفس طالع منها بسرعة قبل ما تتكلم بصوت بيترعش من الفرحة المزيفة:
— «ربنا يخليك ليا يا علي! أنت أخويا وسندي في الدنيا.. من غيرك إحنا ولا حاجة! خلاص يا حبيبي، الساعة ١٢ الضهر بالظبط هكون عندك في مكتب دمياط.. تحب أجيب معايا أي أوراق أو ختم الشركة القديم؟»
— «أيوه.. هاتي معاكي ختم الشركة والتوكيل العام اللي مع أختك، عشان نعمل كل حاجة مظبوطة عند المحامي بالمرة.»
— «من عينيا يا علي، من عينيا يا حبيبي.. توصل بالسلامة!»
قفلت الخط. حطيت رأسي على الدكسيون وصرخت بعلو صوتي.. صرخة مكتومة خنقتها جوة العربية. الحية أكلت الطُعم بسرعة أسهل مما كنت متوقع. الطمع كان عامي عينيها لدرجة إنها ما فكرتش دقيقة واحدة ليه القرار ده جه فجأة.
طول الطريق لدمياط، والليل بيمر عليا زي سنة كاملة. عينيا ما غمضتش لحظة. كل ما أغمض، أشوف أبويا وهو ماسك في جكيتي وبيترعش في الأوضة الصاج، وأشوف ندى وهي بتفرز الزبالة تحت المطرة. الفجر أذن وأنا داخل مدخل دمياط. المحلات لسه قافلة، والهدوء مالي الشوارع، بس جوة عقلي كان فيه حرب مولعة.