لقيت طليقتي

منى السيد

مسكت التقرير اللي ندى رمتها على الترابيزة بآيادي بترتعش. فتحت الورق، لقيته كروت وإيصالات مدفوعة لمصحة اسمها “الأمل للتأهيل” في منطقة بعيدة، ومكتوب في الملاحظات: “الحالة تحتاج إلى رعاية مركزة وتنظيف قرح فراش إثر الإهمال الشديد”. وتحت خالص، أختي مريم كاتباه بوضع: “تعهد بعدم المطالبة بأي علاج متقدم”.

— «وانتِ.. أنتِ عرفتي المكان ده إزاي؟» سألتها وأنا حاسس إني قزم، قزم صغير قوي قدام الست اللي أنا كنت لسه من شوية برمي لها ٢٠٠ جنيه في الطين وبستهزئ بيها.

ندى أخدت نفس عميق، وبصت للقفص البلاستيك اللي لمته من الشارع وكان مليان إزايز فارغة:

— «أنا من يوم ما طردتني يا علي وأنا معنديش مأوى.. اشتغلت في كل حاجة عشان أقدر أكل لقمة حلال وما أمدش إيدي لحد. اشتغلت في النظافة، وفي جمع البلاستيك والكرتون. ومن شهرين، وأنا بفرز الزبالة جنب سور المصحة إياها في الجيزة، سمعت صوت راجل بيبكي وصوته طالع بال بالعافية من شباك متقفل بسلك صديد.. قربت وصوت الأنين كان مألوف ليا.. شفت وش أبوك من بين السلك، وهو راقد في العرق والوساخة، وقرح الفراش واكلة ضهره، ومفيش جنبي نُقطة مية نضيفة يشربها!»

دموع ندى نزلت أخيراً، سخنة ومحروقة، وجسمها بدأ يترعش من قسوة الذكرى:

— «أنا ما فكرتش في اللي انت عملته فيا.. ولا فكرت إن الراجل ده يبقى أوبك انت اللي صدقت فيا الكدب وطردتني. أنا افتكرت بس إن الحاج فاروق كان بيعاملني زي بنته لما كُنت جائعة، وكان بيجب لي الأكل لحد عندي.. زقيت باب المصحة، واتخانقت مع العمال هناك، ولما هددتهم ببلغات الشرطة إنهم حابسين راجل كبير ومهمشين حالته، رموه لي بره الباب وقالوا لي: “خديه وغوري من هنا، أخته مأخرة الفلوس بقالها شهرين ومش عايزين وجع دماغ!”.»

قربت من ندى، ووقعت على ركبي قدام رجلها في الطين اللي مالي أرضية الأوضة الصاج. مسكت إيدها المشرقة من البرد والعمل الشاق، وحطيت جبهتي على إيدها وأنا ببكي بانهيار كامل، عياط راجل اتكسر كل غروره وكبريائه في لحظة واحدة.

— «سامحيني.. سامحيني يا ندى.. أنا حمار، أنا أعمى، أنا أحقر راجل مشي على الأرض! أنا رميتك في الشارع وجريت ورا كلام الكدابين، وكنت فاكر الفلوس هتعمل مني بني آدم.. سامحيني يا ندى عشان خاطر ربنا!»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *