لقيت طليقتي
منى السيد
وصلت المعرض الرئيسي الساعة تسعة الصبح. المعرض كان عبارة عن قصر من أربع أدوار، مليان أفخم أنواع الموبيليا والأثاث اللي بيتصدر لبرة. تحفة معمارية أنا وأبويا بنيناها عرق بعرق، حجر بحجر. دخلت المكتب الخاص بيا في الدور الثاني، فتحت الخزنة، وطلعت الملفات القديمة.. الملفات اللي مريم اتهمت فيها ندى بالسرقة من تلات سنين.
قعدت أراجع الفواتير والتوقيعات بعين جديدة.. عين الراجل اللي انزاحت من على وشها الغشاوة. فعلاً! التوقيعات كانت تقليد رديء لتوقيع ندى، والختم المستخدم كان هو ختم الإدارة المالية اللي كان دايماً في عهدة مريم! إزاي كنت أعمى كدة؟ إزاي الغرور خلاني أصدق إن مراتي بتخونني وأختي هي الملاك الطاهر؟
الساعة تشاور على ١١:٣٠ الصبح. باب المكتب اتفتح بالراحة.
دخلت ندى!
كانت لابسة عباية سوداء قديمة بس نضيفة، وطرحة مشدودة بوقار. وشها كان شاحب، بس عينيها كانت مليانة ثبات يرعب أي حد يبص فيها. دخلت ومن غير ما تتكلم كلمة واحدة، قفلت الباب وراها بالترباس.
— «وصلتي إزاي؟» سألتها وأنا بقوم أقف احتراماً ليها من غير ما أحس.
— «جيت في عربية نقل خضار من الفجر..» ندى قالتها وهي بتبص حواليها في المكتب الفخم ببرود، «أبوك أمان في مكان مأمنه مع ست طيبة في الحارة، وماحدش يعرف مكانه. المهم دلوقتي.. هل كلمت مريم؟»
— «كلمتها، وجاية في السكة، وقالت إنها هتيجي على الساعة ١٢.»
— «وجوزها؟ أشرف المورد؟»
— «ما جابتش سيرته، بس أنا متأكد إنه مش هيسيب فرصة زي دي تفوته.. لازم يكون جاري وراها عشان يتأكد إن الأسهم اتنقلت باسمها فعلاً.»
ندى طلعت من شنطتها القماش الصغيرة ملف أوراق أصفر، متبهدل ومصفر من الرطوبة. حطته على المكتب قدامي:
— «ده ملف القضايا والتحويلات المالية بتاعة أشرف في الصعيد.. الراجل ده كان شغال في شركة توظيف أموال وهمية في أسيوط، وسرق أكتر من ١٥ مليون جنيه من أهالي قرى كاملة وهرب على القاهرة ودمياط بالبطاقة المزورة واسم “أشرف المورد”. الفلوس دي هي اللي بدأ بيها يشتري منك خشب بأسعار وهمية عشان يغسل الفلوس جوة حسابات معارضك!»
مسكت الورق وأنا مذهول: «أنتِ جبتي الورق ده منين يا ندى؟»
— «لما طردتني يا علي، أنا ما قعدتش أعوج وشي وأندب حظي.. أنا كنت عارفة إن أشرف ده وراه مصيبة، لأن شفته أكتر من مرة بيكلم ناس بأسلوب تهديد في التليفون. طوال التلات سنين اللي فاتوا، وأنا بشتغل في الشارع، كنت بجمع المعلومات خطوة خطوة، ولما لقيت أبوك في المصحة، الصورة كملت في دماغي.»