لقيت طليقتي

منى السيد

أبويا رفع إيده المرتعشة ببطء شديد، وشاور لندى..

ندى قربت منه ووطت أذنها لبوّه. أبويا همس لها بكلمات متقطعة بصوت ضعيف جداً..

ندى رفعت رأسها وبصت لي، وعينيها دمعت لأول مرة من شفقتا عليا:

— «أبوك بيقولك: “ربنا يسامحك يا علي ويصلح حالك.. بس أنت اخترت طريقك من زمان، وحقنا أخدناه بالقانون وبالأصل.. روح يا ابني وابني حياتك من جديد بالحلال، بس بعيد عنا”.»

— «وأنتِ يا ندى؟» سألتها وأنا حاسس إن روحي بتطلع.

ندى ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:

— «أنا سامحتك لله يا علي.. عشان أطهر قلبي من أي غل. بس اللي اتكسر ما بيتصلحش، والبيت اللي اتهدم بعاطفة الغرور ما بينفعش يتبنى على أنقاض الوجع.. اذهب يا علي، وربنا يهديك.»

ندى لفت الكرسي المتحرك بأبويا، ودخلته جوة الكشك الدافئ، وقَفلت الباب الزجاجي النصفي بيني وبينهم..

فضلت واقف في الشارع المطير، ببص عليهم من ورا الزجاج. أبويا بياكل معلقة شوربة دافية من إيد ندى، وندى بتبتسم له بحب ورضا..

وأنا.. واقف برة في السقعة والبرد، عرفت إن العقاب الحقيقي مش السجن ولا الفقر.. العقاب الحقيقي إنك تشوف الجنة اللي كانت في إيدك، وأنت واقف برة أسوارها ومش مسموح لك تدخلها أبداً!

سندت جبهتي على الزجاج المبلل بتعاسة الدنيا كلها. من ورا الإزاز الشفاف، شفت أبويا بيمسح دمه بيده المرتعشة، وندى بتطبطب على كتفه بحنان وأصل، حنان كان المفروض يكون مني أنا.. ابن عمره اللي ضيعه الغرور والعمى.

قفلت عيني ودموعي بتنزل بغزارة مع مية المطرة اللي أغرقت القميص المتبهدل على جسمي. عرفت في اللحظة دي إن كل محاولاتي عشان أصلح اللي فات كانت زي اللي بيبني بيوت من رمل في وسط الموج. ندى ما كانتش قاسية، بالعكس.. ندى كانت أعدل وأرحم مني بكتير؛ سامحتني لله، بس رفضت ترجع عشان عارفة إن كرامتها وأصلها مش بضاعة تنباع وتشتري في سوق الندم.

مشيت ببطء، بجرّ رجلي في الشارع، مسحوب الخطوات بعيد عن الكشك.. بعيد عن الجنة اللي ضيعتها بإيديا. كل خطوة كانت بتقول لي إن الملايين والمعارض والعربيات الفارهة ما صانتش بيت، ولا حمت أب، ولا عملت راجل.

عدت السنين..

عشت باقي عمري في أطراف دمياط، بشتغل نجار بسيط في ورشة صغيرة على قد حالي. بقيت أصحى مع أذان الفجر، أستغفر ربنا، وأشتغل بعرق جبيني عشان آكل لقمة حلال صافية مفيهاش شبهة ولا قرش حرام.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *