بعد ما مراتى ما. تت وسبتلى بنت اتعرفت على واحده زميله ليه و حبيتها وكانت عندها بنت من طليقها اصغر من بنتى بسنتين وجت تعيش معانا من وقتها وأنا بقيت باجى على بنتى بزياده لانى حسيتها كبرت والمفروض تتحمل المسؤولية وكنت دايما شايف بنت مراتى طفله على الرغم إن الفرق اللى بينهم سنتين لكن كنت بميل لبنت مراتى بحجه انها الاصغر مرت شهور ومراتى حملت وجابت ولد وقتها حسيت إن بنتى بقت عبء عليه فى كل حاجة بقيت اديها مصاريفها وانا متضايق ومتضرر على الرغم إن مدرستها كانت اقل فى المستوى من مدرسه بنت مراتى مريم ومدرسه ابنى إلا انها كانت متفوقه لما شدت حيلها شويه مراتى بقت تشيلها مسئولية اخوها وبنتها ومكنتش تقدر ترفض أو تقول لأ عشان عارفه وقتها انى هاجى عليها وممكن توصل للض. رب فكانت بتنفذ من سكات وسكتها ده كان مريحنى لانه مش عاملى مشاكل عدت السنين ودخلت الكليه وهى فى سنه أولى جالها عريس ووقتها وافقت عليه من غير ما أسأل عنه كنت عايز أخلص من عبئها اللى معرفش جالى منين أنها عبء وفعلاً رغم رفضها وتحايلها إلا انى وافقت واتهمتها انها بترفض عشان اخلاقها وحشه وبدل ما اكون زى أى أب بيوصى جوز بنته على بنته لأ انا عملت العكس قولتلها لو يوم جيتى غضبانه وقتها ماتلوميش غير نفسك وفعلاً خرجت بنتى من البيت ومادخلتوش تانى كنت اسمع من الجيران ان جوزها بيض. بها وبيبخل عليها وبيقعدها من الجامعه كنت اعمل نفسى مش سامع واقول تحل مشاكلها بنفسها حملت وسقطت روحت زورتها خمس دقايق ومشيت كانت بصتها كلها لو وعتاب وبتقولى شوفت عملت فيه ايه ليه عملت فيه كده بعد فتره سمعت إن جوزها طردها وبدل ما تيجى تستنجد بيا راحت اتحامت فى حماتها وقتها مسالتش عليها عشان ماترجعش البيت مره تانيه كنت طول اليوم فى الشغل ودايما عشان مافتكرهاش ادفن نفسى فى الشغل واروح على النوم كنت بلاحظ بهدله الشقه ومن التعب مابحسش وانام حتى الاكل بقى اغلبيته بيطلب من بره البيت وفى يوم لقيت واحده جاره ليه جاتلى الشغل انفاجئت بيها وسالتها عن سبب زيارتها ردت عليه بكلمه واحده حسبي الله ونعم الوكيل فيك بإذن الله هتتحاسب على اللى عملته فى اليتيمه دى فى الدنيا قبل الآخرة قمت مخضوض اسألها في ايه حصل ايه سابتنى ومشيت جريت وراها قالتلى انت الكلام معاك خساره بس يكفى إن بنتك فوضت فيك أمرها لله وانا بقولهالك اهو حسبى الله ونعم الوكيل فيك وفضلت تدعى عليه دعى انا مش قده وقفتها وحاولت افهم فى ايه لكن اللى سمعته كان الصدمه فعلاً وقفت قدامها وأنا بانهج، أنفاسي طالعة بالعافية وصوت ض. ربات قلبي يرن في وداني زي طبول بتعلن خراب مستعجل. مسكت دراعها من غير ما أحس، وعيني متعلقة بوشها اللي كان ممتليء غضب واحتقار مشوفتهوش من إنسان قبل كده:— قوليلي حصل إيه؟ بنتي مالها؟ في إيه يا ست أم أحمد متسيبينيش كده !نفضت إيدها من قبضتي بقوة واشمئزاز وكأن لمستي بتنجس هدومها، ورجعت خطوة لورا وهي بتبصلي من فوق لتحت بقرف هز كياني:— أوعى إيدك دي! نار إيه اللي فيك؟ هو أنت كان عندك دم ولا احساس عشان تحس بنار دلوقتي؟— بنتي جرالها حاجة؟! فهميني ماتحرقنيش!بصتلي بعيون حادة زي السكاكين، وقالت بصوت واطي بس حاد ومسموع قطع دوشة الشارع:— أنت ما تستهلش تعرف بنتك مالها.. ولا تستهل حتى تدفنها لو ما. تت. بنتك طردتها من حياتك من سنين ورميتها لكلاب السكك عشان ترضي الست هانم وبنتها، راجع دلوقتي تسأل بنتي مالها؟ فوضت أمرها للحي القيوم، وربنا ينزل عدله عليك خلاص. لفت ضهرها ومشيت بخطوات سريعة . بقيت أمد إيدي في الهوا كأني بشحت منها كلمة، وصرخت وراها في وسط الشارع والناس بتبصلي:— أم أحمد! علشان خاطر ربنا قوليلي كلمة واحدة! بنتي عايشة ولا ميتة؟!مبصتش وراها، رفعت إيدها للسما وهي بتمشي وقالت كلمة واحدة رنت في الشارع كله: حسبنا الله ونعم الوكيل فيك يا قاسي القلب. اختفت وسط الزحام، وسبتني واقف في مكاني متسمر، الأرض بتميد بيا، والشارع كله اسودّ في عيني. إحساس الرعب والذنب اللي كنت دافنه سنين تحت الشغل والهروب هجم على صدري دفعة واحدة، وخنقني لدرجة إني معرفتش أتنفس. طلعت أجري في الشارع زي المجنون، معرفش رجلي شيلاني إزاي ولا رايح على فين، مفيش في راسي غير صورة بنتي ونظرة عتابها الأخيرة يوم ما طردتها من حساباتي. وقفت أول تاكسي قابلني وصوتي بيترج: «على منطقة كذا بسرعة يا أسطى. . أبوس إيدك دوس بنزين».المشوار كان طويل ومملوء خنقة، كأن عزرائيل قاعد جنبي في العربية. وصلت الحارة اللي ساكن فيها جوزها وحماتها، نفس الحارة اللي مارضيتش أدخلها ولا مرة من يوم ما طردها من بيته وسمعت إنها اتحامت في أمه. أول ما حطيت رجلي في المدخل، حسيت بهوا ساقع وريحة غربة بتخنق، الحارة كانت مليانة ناس رايحة وجاية، قهاوي وبياعين، بس أول ما شافوا وشي، الحركة هديت فجأة زي ما تكون جنازة معدية. قربت من عم حسين البقال، راجل عجوز يعرفني من زمان ويعرف أصلي:— السلام عليكم يا حاج. . بالله عليك بنتي فين؟ شقتها مقفولة ليه؟ ألاقيها فين؟الراجل مبصش في عيني، كمل رص البضاعة بإيد باردة، ونفخ بقرف وهو بيدور وشه الناحية التانية، ولا كأني واقف ولا كأن ليا وجود. ماردش حتى السلام. سبته وجريت على شباب واقفين على أول الشارع كانوا صحاب جوزها:— يا شباب. . حد شاف بنتي؟ هي لسه عند حماتها؟ حد يفهمني بس هي فين! واحد منهم بصلي من فوق لتحت بنظرة اشمئزاز خلت جسمي يقشعر، تف على الأرض جنب رجلي، وخد صحابه ومشي من غير ما ينطق حرف واحد، كأني جربان خايفين يلمسوني أو يتكلموا معايا. بقيت ألف حوالين نفسي في نص الحارة، زي كلب ضال بيدور على مأوى:— يا ناس حد يرد عليا! بنتي فين؟! أنا أبوها! الكلمة طلعت من بقي، بس كأنها كانت الشتيمة اللي فجرت غضب الكل. الستات في البلكونات بصوا عليا وسحبوا الستاير بقرف وقفلوا الشيش في وشي بصوت رزع يهز الحيطان، والرجالة على القهوة نكسوا روسهم في الأرض وتجاهلوني، وكأنهم اتفقوا إن مفيش بني آدم واقف في وسطهم اسمه «أبوها»، كأنهم بيعاقبوني بالخرس اللي يقطع في اللحم أكتر من أي كلام. النظرات اللي حواليا كانت كلها بتقول حاجة واحدة واضحة وصريحة: أنت رخيص. . وماتستاهلش. جريت على مدخل العمارة والسلالم بتتهز تحت رجلي اللي مش شيلاني. طلعت درجتين درجتين وأنا بلهث، لحد ما وقفت قدام باب شقتها.. نفس الباب المقفول في وشي وفي وش كل إحساس أبوي دفنته بإيدي. رفعت إيدي وفضلت أخبط بكل ما فيا من عافية. خبط متواصل، هيستيري، الخشب كان بيصرخ تحت قبضتي وصوت الرزع رن في مدخل العمارة كله:— افتحي يا بنتي! افتحوا يا ناس! أنا أبوكي جيتلك أهو، افتحي وقوليلي فيكي إيه! مفيش أي رد.. سكوت ميت بيزيد من رعشة قلبي. فضلت أخبط بالاتنين وأض. رب على الباب بكتفي وأنا بصرخ:— ردي عليا عشان خاطر أمك الميتة! متعمليش فيا كده!فجأة، الباب اللي في الوش فتح، وطلعت منه جارة ست كبيرة، وشها شاحب وعيونها كانت بتبصلي بقسوة تجمّد الدم في العروق. . محدش جوه. وقفت متسمر، إيدي متعلّقة في الهوا وأنفاسي مقطوعة:— محدش جوه إزاي؟! راحت فين يا حاجة؟ بنتي فين؟! وجوزها فين؟بصت لإيدي المرفوعة ورجعت بصت لوشي بقرف، وردت باستهزاء موجع:— راجع تسأل دلوقتي؟ لما البيت خِرب ؟؟ لسه فاكر ان ليك بنت تسأل عليها وفر مجهودك وكفتيه دق ، الشقة فاضية ومفيهاش صريخ ابن يومين.. انزل بقى من هنا عشان وجع الدماغ ده مش عايزينه في العمارة. — أبوس رجلك فهميني! راحت فين؟ في المستشفى؟ عند حماتها؟ طمنيني بس هي عايشة؟!بصتلي نظرة باردة ومرعبة، وماردتش.. رزعت الباب في وشي بقوة خلت الحيطة تتهز، وقفلته بالمفتاح من جوة تكة ورا تكة، وسبتني واقف في الضلمة قدام بابين مقفولين، وصوت طنين في وداني بيقولي إن الحقيقة المرة خلاص على بعد خطوة واحدة. عقلي طار، مبقتش شايف قدامي ولا حاسس بكرامة ولا خجل. دورت ضهري عن باب شقة بنتي وهجمت على باب الجارة، قعدت أرزع عليه بكل قوتي بإيديا الاتنين وبرجلي، لدرجة إن عضم إيدي حسيت إنه بيتكسر، وصوتي طلع مشروخ ومبحوح بيصرخ في بير السلم:— افتحي يا ست أنتِ! مش نازل ومش ماشي من هنا غير لما تفهميني! افتحي بالله عليكي قوليلي بنتي فين وحصلها إيه! هفضل واقف هنا وألم عليكي العمارة والشارع كله لو ما نطقتيش! افتحيييي!الرزع بتاعي كان هيخلع الباب من حلقانه. وفجأة، سمعت صوت الترباس بيتسحب بعنف، والباب اتفتح على آخره لدرجة إنه خبط في الحيطة اللي وراه. خرجت الست ووشها محتقن بالدم وعروق رقبتها نافرة من الغيظ، عيونها كانت بتطق شرار وقرف، ومسكت في أوكرة الباب وهي بتجز على سنانها:— أنت إيه ما بتحسش؟! ما عندكش نقطة دم ولا حياء؟ ! قلة الأدب دي تعملها في بيتك مش جاي تفرغ دلوقتى بتخبط على بيبان الناس بعد ما خربتها بإيدك! عايز إيه؟ انطق واخلص!وقعت على ركبي من غير ما أحس، كنت مدلدل راسي وبشحت منها النظرة، ودموعي اللي حبستها سنين نزلت تغرق وشي:— أبوس إيدك وأبوس رجلك تقوليلي.. بنتي حصلها إيه؟ طمنيني بس إنها عايشة! والله العظيم همو. ت من الر. عب، قوليلي عملوا فيها إيه وجرالها إيه؟ الست جارتي التانية دعت عليا وسابتني، وهنا الناس بتبصلي بقرف، محدش راضي يريح قلبي.. فهميني يا حاجة في إيه؟! مين ما. ت ومين عاش؟!بصتلي وهي بتتنفس بسرعة، نظرة مليانة احتقار يشبه السكاكين، وقالت بصوت واطي بس مرعب زي حكم إعدام:— عايز تعرف حصل إيه؟ عايز تسمع ودانك اللي صمّيتها عن بنتك سنين؟ حسبى الله ونعم الوكيل فيك ماتوعى تفرح دنيا واخره— اسمع يا فاجر.. اسمع اللي أنت كنت السبب فيه! وقفت الست ساندة إيدها على الحلق، وبصتلي وعيونها بتنطق بكل قسوة الدنيا، وبدأت ترمي الكلام في وشي كأنه طوب بيتهد على نافوخي:— من أول يوم دخلت فيه رجليها العتبة دي، وهو مستلمها ذل وإهانة. كان بيكسر نفسها باللقمة اللي بتاكلها، ويعايرها بيك ليل ونهار، يقولها أنتِ مالكيش ضهر، يتيمة وأبوكي بايعك وراميكي ومرتاح من همك! كان حابسها، حارمها من كليتها اللي شقيت عشان تدخلها، كان يرفض نزولها، وزمايلها في الجامعة من وراه كان صعبان عليهم مستقبلها ويجيبولها الكتب والمذكرات لحد أول الشارع في السر. الحارة كلها كانت شيفاها بتدبح وعارفة إن ملهاش حد، الحارة كلها كانت بتقف تتشفع وتتحايل عليه أيام الامتحانات بس عشان يوافق تخرج تمتحن وترجع زي الأسيرة. ضربت كف على كف وهي بتنهج من الغيظ، ومكملة كلامها اللي بيسلخ جلدي:— كانت تطلع من الصبح لبيت أمه، تنضف وتطبخ وتتخدم عليها ذليلة ومهانة، وترجع هنا شقتها، تنضف وتطبخ وتشوف طلباته من غير كلمة اعتراض. ولما عينه بجحت بزيادة، أجبرها تنزل تشتغل وتصرف عليه، وهي وافقت وسكتت، وخدتها حجة عشان تخرج تشوف الشارع وتشم النفس وتروح كليتها، عشان متتخنقش بين أربع حيطان وتلاقي مصاريف كتبها اللي أنت قطعتها عنها. قربت خطوة ودبّت في الأرض، وصوتها طلع مخنوق بالدموع والغضب:— حملت في بطنها مرتين.. مش مرة واحدة! مرتين وسقطت ومات الجنين في حشاها من كتر الضرب والركل اللي كان بياكلهولها على بطنها وضهرها! الحيطان كانت بتصرخ من صوت ضربها وعياطها، وأنت كنت فين يا سبع الرجال؟ كنت نايم في فرشتك مستريح عشان شلت عبئها ورميته في النار برجليك! سكتت ثواني، كأنها بتستجمع مرار الدنيا كله في بقها قبل ما تكمل، وعيونها كانت بتبصلي وكأنها شايفة وحش مش بني آدم:— وبدل ما يحمد ربنا على النعمة اللي في إيده وصبرها على فقره وقرفه، عينه زافت وبقى يوفر فلوسه اللي طالع بيها من شقاها عشان يصرفها على النسوان والشوارع! اتلم على واحدة وسخة من طينته وقرر يتجوزها، وطرد بنتك من شقتها ورماها لامه تخدمها هناك.. ومش بس كده، دي أمه بقت تعاملها زي الخدامة وأوسخ! كانت تنزل الصبح تشتغل وتطلع عينها عشان تجيب القرش، والفلوس اللي تجيبها تتصرف على أكلهم وشربهم كلهم! تقف في المطبخ تكنس وتطبخ ليهم كلهم.. تخيل؟ بنتك لحمك ودمك، اللي كنت شايفها عبء، كانت بتشتغل بعرق جبينها وبتطبخ عشان تصرف على ضرتها وتخدمها في بيتها!قربت من وشي أكتر وهي بتشاور بإيدها اللي بتترعش في صدري، وصوتها علي وبقى زي الرعد اللي بيزلزل المكان:— ولما يادوب فكرت تشتكي ولا تتكلم، كان حزام البنطلون بيسيب علاماته على جسمها وأمه تتفرج وتشجع! لحد ما جه اليوم المشؤوم.. تعبت من الغلب اللي مبيرحمش، وفاض بيها الكيل، علي صوتها وقالت كفاية ذل وحرام عليكم أنا بشر! تعرف بقى كان مصيرها إيه في الليلة دي؟ تعرف عملوا فيها إيه لما تجرأت وعلي صوتها؟!نزلت دموع الست فجأة مع حرقة صوتها، وبقت تضرب على صدرها بقهر وهي بتكمل:— اتلموا عليها هما التلاتة! هو وأمه وضرتها، مسكوها ضربوها ضرب غل وعدموها العافية، داسوا على وشها بالجزم، وطحنوا عضمها لحد ما كسرولها دراعها! اتخنقت أنفاسها وهي بتمسح دموعها بضهر إيدها بقرف، ورجعت تزعق في وشي:— الجيران من كتر الرعب كسروا باب الشقة ودخلوا ينتشلوها من تحت رجليهم. . طلعوها زاحفة على السلم، متبهدلة ودمها سايح وبلبس البيت، هدومها كانت متقطعة في إيديهم ولحمها باين! ستات الحارة قلعوا عباياتهم وطرحهم في نص السلم وغطوها وادوهالها عشان يستروها.. الغريب اللي ميعرفهاش قلع هدومه عشان يستر لحم بنتك من الفضايح، وأنت. . أنت أبوها اللي من صلبك راميها في النار وسايب لحمها يتداس بالرجلين ومستكتر عليها حتى تسأل عنها!وقفت متسمر، الكلمات نزلت على دماغي زي مية مغلية شلت حركتي ومسحت عقلي تماماً. لساني تقل، وريقي نشف، وبقيت حاسس إن الحيطان بتلف بيا والسلم بيسحبني لقاع ملوش آخر. كل نقطة دم في جسمي اتجمدت من بشاعة اللي سمعته.. بنتي، حتة مني، اتكسرت واتهانت واتعرت عشان ترضي وسخ كلاب السكك اللي سلمتها ليهم بإيدي. رفعت وشي بصعوبة، وصوتي طلع مهزوم، مكسور، طالع من بير غريق:— هي فين دلوقتي؟ عشان خاطر رحمة ربنا بيكي. . قوليلي هي فين؟بصتلي باحتقار كأنها بتبص لحشرة مدعوسة في الأرض، وقالت بنبرة تقطر سم:— محجوزة في مستشفى كذا العام، بقالها تلات أيام بين الحياة والموت.. روح، روح شوف شقا عمرك وظلمك عملوا فيها إيه، لعل وعسى ربنا ينتقم منك على كل نفس اتنَفّسته في عذاب. ملحقتش حتى أشكرها، نزلت السلالم جري، كنت بقع وأقوم كالممسوس، مفيش في وداني غير صوت صريخها اللي الست حكته، وصوت كسر عضمها بيرن في جمجمتي. وقفت تاكسي بمليون معافرة، وطول السكة كنت حاطط إيدي على وشي وأنا بنهج وأعيط بهيستيريا، كل لحظة ظلم، كل جنيه استكترته عليها، كل كلمة إهانة قولتهالها ورميتها بيها كانت بتطلع قدامي زي السكاكين تقطع في لحمي. وصلت المستشفى، جريت في الممرات وريحة البنج والمطهرات بتخنقني، لحد ما وصلت للعنبر وسألت الممرضة عن اسمها ودلتني على سريرها في آخر الطرقة. وقفت قدام الستارة، إيدي كانت بتترعش رعشة جنونية وأنا بزيحها على جنب. .وأول ما وقعت عيني عليها، قلبي وقع في بطني واتصدمت صدمة خلتني أرجع خطوتين لورا وأنا كاتم صرخة في حلقي. دي مش بنتي.. دي متكونش بنتي!اللي نايمة على السرير كانت هيكل عظمي، جلد متشدد بالعافية على لحم ناشف، عضم وشها بارز بطريقة مرعبة، وتحت عينيها سواد غاطس كأنها طالعة من قبرها لسه حالا. دراعها متجبس ومربوط في رقبتها، وشها كله كدمات زرقا وسودا وارمة، شفايفها بيضا ومشققة كأنها مبتاكلش بقالها سنين. كانت نايمة بجسم رفيع وضئيل، ساكنة سكون الموت، أنفاسها طالعة بنهجان خفيف وضعيف يقطع نياط القلب.. شكلها كان شبه الأموات تماماً، مفيش فيها أي أمارة للحياة غير المحلول اللي بينقط في وريدها الأزرق الشاحب. ركبي خانتني ووقعت على الأرض جنب سريرها، وبقيت أمد إيدي المرتعشة ومش قادر ألمسها، خايف تتكسر من لمستي، وبقى كل اللي طالع مني شهقة عاجزة ودموع ندم ملهاش تمن. الدكتور دخل العنبر وشاف انهياري، قرب مني بهدوء وقالي إنها في غيبوبة كاملة من شدة النزيف وارتجاج المخ والصدمة العصبية اللي اتعرضت لها، وإن حالتها حرجة جداً وما بين إيدين ربنا. وقتها، عرفت كمان إن أهل الحارة عملوا اللي كان المفروض أعمله أنا من سنين؛ اتلموا كلهم على جوزها وأمه وضرتها وطلبولهم البوليس، ومسابوش القسم والنيابة غير لما اتعمل محضر شُروع في قتل واتحبسوا كلهم ورا القضبان ينتظروا مصيرهم الأسود. قعدت جنبها على الكرسي الخشبي المكسور في المستشفى أسبوعين كاملين، نسيت شغلي، ونسيت مراتي، ونسيت الدنيا كلها. كان يومي مقسوم ما بين مسكة إيدها الساقعة المجبسة وبين سجادة صلاة فردتها جنب السرير؛ بصلي بدموع معرفش كانت مستخبية فين، بدعي ربنا يمد في عمرها ويفيقها، بس علشان يديني فرصة واحدة أطلب منها السماح وأعوضها عن كل لحظة قهر وذل كنت السبب فيها. ومع بداية الأسبوع التالت، حركت صوابعها الرفيعة، وفتحت عينيها بتثاقل وألم. أول ما شافت وشي، حسيت إن روحي ردت فيا، قربت منها ودموعي نازلة: — حمد الله على سلامتك يا نور عيني، أنا جنبك أهو، متخافيش.. بصتلي بنظرة خالية من أي مودة، نظرة مليانة وجع وخذلان فاق كل طاقة العتاب، وبحركة بطيئة وضعيفة دارت وشها الناحية التانية وثبتت عينيها على الحيطة السادة، كأن رؤية وشي بتجدد كل طعنة خدتها في ضهرها. فضلت قاعد جنبها بالساعات، أكلمها وأتحايل عليها ترد بكلمة، أبوس في إيدها السليمة وأقولها حقك عليا، وهي ساكتة.. خرس كامل كأنها قررت تدفن صوتها للأبد. أول ما الدكتور سمح بخروجها، شلتها على إيديا كأنها عيلة صغيرة ملهاش وزن، وأخدتها ورجعت بيها على بيتي. أول ما فتحت الباب، وقفت مراتي وبنتها مصدومين من المنظر، وشوشهم اتخطفت لما شافوا البنت اللي كانت وردة مالية البيت بقت خيال مآتة وجلد على عظم وجبس يلف نص جسمها، والولد الصغير استخبى ورا أمه من الخوف. الصدمة خلت مراتي تسكت تماماً وصعبت عليها بجد لأول مرة، حسوا هما الاتنين بالذنب والكسوف من نفسهم. دخلتها أوضتها القديمة، ونيمتها في سريرها اللي كانت بتتحرم من النوم فيه زمان علشان تخدمهم. مبقتش تقدر تقوم من السرير من كتر التعب وهدة الحيل، وبقى الأكل والراحة يجيلها لحد عندها، ومراتي وبنتها بيشيلوا الطبق ويحطوا غيره وهما باصين في الأرض، وأنا قاعد تحت رجليها مستني بس رمشة عين ترضى عني، لكن الصمت كان الحيطة العالية اللي بنتها بيني وبينها، ومش عارف إذا كان في أمل تتهد في يوم من الأيام. مرت شهور والبيت عايش في حالة خرس تقيل. مراتي وبنتها كانوا بيتحركوا على طراطيف صوابعهم، مفيش كلمة زيادة ولا صوت عالي، نظرات الخجل والذنب مالية عيونهم، وكل طلب لبنتي كان بيتنفذ قبل ما تفكر تطلبه، كأن الكل بيحاول يشتري براءة ذمته من ذنب ملوش كفارة. أما أنا، فكانت حياتي كلها اتلخصت في الكرسي اللي جنب سريرها. بقيت أرجع من الشغل جري، ماببصش في وش حد ولا بدخل أوضتي، أدخل عليها علطول، أقعد جنبها، أمسك إيدها، أحكيلها عن يومي، أحاول أضحكها، أجيبلها الفاكهة اللي كانت بتحبها زمان ومكنتش برضى أشتريها، بس الرد كان دايماً واحد: وشها داير للحيطة، وعينيها باصة للفراغ، ساكتة سكوت يقطع في عروقي أكتر من أي صريخ أو عتاب. وفي يوم، دخلت عليها بعد ما الجبس اتفك وبدأت خطوتها تدب في الأرض بصعوبة، لقيتها واقفة قدام الشباك، شاردة في السما وضهرها ليا. قربت منها بالراحة، وحطيت إيدي المرتعشة على كتفها بحذر: — عاملة إيه النهاردة يا حبيبتي؟ عملتلك الشوربة اللي بتحبيها بإيدي.. تاكلي معايا؟ حسيت بجسمها بيتصلب تحت إيدي، ولفت وشها ليا ببطء. كانت أول مرة تثبت عينها في عيني من شهور. وشها كان لسه باهت، والكدمات راحت بس سابت مكانها هالات سودة محفورة في ملامحها، عيونها كانت هادية هدوء مخيف، هدوء اللي مات ومبقاش فارق معاه حاجة. نزلت عينيها لإيدي اللي على كتفها، وقالت بصوت واطي ومبحوح، لكنه نزل عليا زي الصاعقة: — متلمسنيش. شلت إيدي بسرعة كأني اتلسعت بنار: — حقك عليا.. والله حقك على راسي، أنا عارف إني غلطت وغلطي ميتغفرش، بس والله العظيم فديتك بعمري، اطلبي أي حاجة، قوليلي اعمل إيه عشان تسامحيني وترجعي بنتي حبيبتي بتاعة زمان؟ هعمل أي حاجة ترضيكي! ابتسمت ابتسامة باهتة ومكسورة، وهزت راسها بنفي يوجع القلب: — مفيش حاجة تتعمل.. أنت متأخر أوي يا بابا. متأخر سنين. زمان كنت محتاجة كلمة حلوة، كنت محتاجة أحس إن ليا ضهر، كنت ببوس إيدك عشان تكملي تعليمي، وكنت بصرخ تحت رجلين جوزهولي وأقول يارب أبويا يجي ينجدني.. مجيتش. دلوقتي بتجيبلهم ياكلوني ويشربوني؟ أنت فاكر الوجع كان في بطني؟ الوجع كان هنا.. شاورت بصباعها الضعيف على نص صدرها، ودمعة يتيمة نزلت على خدها وهي بتكمل: — الكسر اللي في جسمي خف والجبس اتفك.. بس الكسر اللي جوة هنا ملوش جبس. أنا مش مغلولة منك، ولا بدعي عليك.. أنا بس اتعلمت إني يتيمة بجد، واليتيم لما بيكبر مبيعرفش يرجع عيل تاني يحتمي في حضن أبوه. خلصت كلماتها، وخدت خطوتين ورا وسابتني واقف مكاني في نص الأوضة. مكنش في إيدي حاجة أقولها، حسيت إن لساني اتقطع، وعرفت إن أصعب عقاب ممكن الأب يدوقه، مش إن بنته تدعي عليه.. عقابه الحقيقي لما تفقد الأمل فيه وتشوفه مجرد غريب، غريب فات الأوان على وجوده. عدت السنين، وبنتي اتبدلت تماماً.. البنت المكسورة اللي كانت بتمشي جنب الحيط وتخاف من خيالها ماتت، وطلعت مكانها ست تانية خالص؛ قوية، حازمة، ملامحها هادية بس فيها صرامة تخلي أي حد يعملها ألف حساب. دفنت نفسها في الشغل زي ما كنت بعمل زمان، بس شتان بين هروبي الجبان وبين معافرتها الشريفة. كانت أول واحدة تفتح باب الشركة وآخر واحدة تمشي. ذكاؤها وتفانيها خلوها تكبر بسرعة الصاروخ، ومن موظفة صغيرة أثبتت كفاءتها لحد ما مسكت إدارة قسم كامل، وبقى ليها اسم وكيان الكل بيحترمه. حياتها كانت عبارة عن مواعيد وشغل وتقارير، حاطة بينها وبين الناس سياج من حديد، قافلة قلبها بمليون قفل، ومفيش راجل قدر يقرب من حدودها خطوة واحدة؛ كانت شايفة في عيون كل الرجالة صورة الغدر والضعف اللي عاشته في بيت جوزها وتخاذلي أنا عنها. لحد ما دخل حياتها راجل مختلف.. كان مهندس شريك في مشاريع الشركة، راجل هادي، عينه مليانة احترام ورجولة بجد. مكنش بيطاردها ولا بيحاول يرمي شباكه زي غيره، كان شايف الوجع المستخبي ورا قناع القوة اللي لابساه. بدأ يتعامل معاها بتقدير حقيقي لشخصها وشغلها، لو تعبت يلاقي طريقة يخفف عنها من غير ما يجرح كبريائها، ولو وقفت في مشكلة يلاقي حلول بهدوء ويكون في ضهرها كأنه جبل. كان صبور معاها لأبعد حد، مستعجلش، واستحمل صدها ونفورها كذا مرة، لحد ما في يوم واجهت فيه أزمة كبيرة في الشركة كادت تطيح بشغل سنين، ووقفت لوحدها متوقعة الغدر والخذلان كالعادة.. بس لقته هو اللي واقف في وش العاصفة بدالها، حماها وحمى مجهودها من غير ما يطلب مقابل ولا حتى كلمة شكر. في الليلة دي، وهي واقفة في مكتبها بتبص عليه وهو بيلم أوراقه، سألته بصوت بيترج لأول مرة من سنين: — ليه بتعمل كل ده؟ أنا ست معقدة ومستهلش حد يرمي نفسه في النار عشاني. قرب منها بهدوء، وثبت عينه في عينها بنظرة مفهاش غير الصدق والأمان، وقالها كلمة واحدة هدت كل الحصون اللي بنتها حوالين قلبها: — أنتِ متستاهليش تتحاربي، أنتِ تستاهلي الدنيا كلها تتحارب عشانك.. وأنا مش عايز أكون في حياتك عبء، أنا بس عايز أكون الضهر اللي كان المفروض تلاقيه زمان وملاقتيهوش. الكلمة دي بالذات لمست الجرح القديم وطهرته، وبكت.. بكت بنتي لأول مرة من سنين وهي حاسة إن ربنا عوضها عن كل دمعة وكل إهانة، بحد مش شايفها رخيصة ولا عالة، بحد عرف قيمتها بجد ومستعد يشيلها فوق راسه قدام الدنيا كلها. مرت الأيام، وبدأت بنتي ترجع تظهر في حياتي، بس مش البنت اللي كنت أعرفها زمان.. كانت بتعاملني بأصول الدين والواجب اللي يفرضه عليها ضميرها النقي، مش من باب المحبة أو الشوق. كانت تيجي تزورني في مواسم محددة، تدخل البيت بهيبتها الجديدة، تسلم عليا من بعيد لبعيد، تسأل عن صحتي وعلاجي وتتأكد إن التلاجة مش ناقصها حاجة، وحتى مراتي وعيالي كانت بتتعامل معاهم بذوق وكياسة تحرجهم، بس بعين باردة مفيهاش أي مشاعر. كانت بتجيبلي أفخر أنواع الفاكهة وأغلى الهدايا، بس الهدايا دي كانت بتنزل على قلبي زي الجمر؛ كنت عارف إنها بتعمل كده عشان متسبش لربنا عليها حجة، مش عشان محتاجة حضني أو بتدور على حنيتي. كنت أقعد قدامها وأنا كلي لهفة، عيني متشعلقة في ملامحها، أستنى منها نظرة عتاب واحدة أو حتى تصرخ في وشي وتطلع اللي في قلبها.. لكن السكوت والبرود كان ردها الوحيد. كنت أتمنى لو تمسك فيا، لو تقولي «يا بابا» بالنغمة اللي كانت بتنادي بيها زمان وهي عيلة صغيرة بتجري عليا عشان أحميها، بس الكلمة دي ماتت على لسانها؛ بقت دايماً تقول: «حضرتك محتاج حاجة؟»، «ألف سلامة عليك»، كلام موزون وناشف زي الصخر. وفي يوم، قررت أكسر الحصار ده.. نزلت على ركبي قدامها ومسكت إيدها وحطيتها على راسي، وبقيت أعيط بشهقة تقطع النفس: — ابوس إيدك يا بنتي.. قوليلي إنك سامحتيني، متسيبينيش أقابل وجه كريم وأنا شايل ذنبك في رقبتي.. قولي سامحتك عشان أرتاح، دنا بتمنى رضاكي زي ما كنتي زمان بتستجدي مني حنية! سحبت إيدها بهدوء شديد ومن غير عصبية، وبصت في عيني بنظرة وجع راكدة، وقالت بصوت واطي وموجع: — أنا مش كارهة ليك الخير، ولا بدعي عليك، وببرك وبراعيك بما يرضي الله عشان ربنا ميسألنيش عنك.. بس السماح حاجة تانية خالص يا بابا. السماح ده محتاج قلب سليم، وأنت كسرت قلبي حتت ومسبتش فيه حتة واحدة تعرف ترجع تحبك زي الأول. قامت وقفت، وعدلت هدومها وسابتني على الأرض، وبصتلي النظرة الأخيرة قبل ما تقفل وراها الباب: — ربنا يعفو عنك وعني.. بس اللي مات فيا زمان، مبيرجعش يعيش تاني. خرجت وسابتني في حسرتي، أدركت ساعتها إن أكبر عقاب للإنسان مش إنه يفقد اللي بيحبهم، لكن إنه يشوفهم قدام عينه كل يوم، يتنفسوا معاه نفس الهوا، لكن بينهم وبينه بحر من الجليد ملوش شط.. وبقيت عايش كل دقيقة بتمنى رضاها، وعارف إن التمن اللي دفعته من لحمها ودمها ملوش أي توبة في قلبها.