عامل في مزرعه

هو كان متعمد يخلي حياته الخاصة بعيدة تمامًا عن الإعلام والناس.
وعيلتي؟
عمرهم ما اهتموا يسألوا عنه كفاية عشان يعرفوا هو مين بجد.
بالنسبة لهم
كان مجرد جوزي المزارع.
لما جه وقت الفرح، اترددت أروح أصلًا.
أحمد مسك إيدي وقال بهدوء
روحي. دي أختك وأنا هعمل اللي إنتِ شايفاه.
أول ما وصلنا مكان الفرح الريفي، عرفت إني كنت غلطانة لما جيت.
أمي شافتنا عند المدخل.
وعينيها اتحركت فورًا على هدوم أحمد.
كان نضيف ومرتب جدًا، لكن الجزمة اللي لابسها كانت قديمة ومبهدلة من الشغل.
وده لوحده كان كفاية بالنسبة لها.
شدّت شفايفها وقالت
إحنا مكنّاش عاملين حسابنا على ضيوف زيادة.
بصيتلها باستغراب.
ضيوف زيادة؟ ده جوزي.
نادية بصت ناحية قاعة الفرح المزينة بشكل فخم.
وبعدين أشارت على ترابيزة صغيرة بره، جنب مدخل المطبخ وخدمة الكاترينج.
الترابيزة كانت قريبة بشكل مهين من صناديق الزبالة.
والمطر كان بينزل بغزارة، لدرجة إن الأرض حوالين الترابيزة اتحولت لطين.
قالت بمنتهى البرود
اقعدوا هناك.
وبعدين، كأنها بتعمل معانا معروف كبير، أضافت
هنجيبلكم البواقي.
بصيت لأحمد.
كنت متوقعة أشوف الغضب في عينه.
لكن ملامحه فضلت هادية.
قال بصوت واطي
القرار قرارك.
كان المفروض أمشي.
كان المفروض آخده ونخرج من المكان ده فورًا.
لكن جزء عنيد جوايا رفض إني أدي عيلتي المتعة دي.
ففضلنا.
سارة بالكاد بصتلي طول الحفلة.
لكن بعد انتهاء المراسم، وفي أثناء الفرح، أخيرًا قربت مني.
كانت لابسة فستان فرح غالي جدًا، وشكلها كان جميل.
لحد ما فتحت بوقها.
قالت
مش مصدقة إنك فعلًا جيتي بالشكل ده.
بصيتلها باستغراب.
بشكل إيه؟
عينها راحت ناحية أحمد.
إنتِ عارفة الإحراج اللي أنا فيه بسببكم قدام صحابي؟
أحمد فضل ساكت جنبي.
حسيت وشي بيولع من الإحراج.
قلت
إحنا جينا عشان إنتِ أختي.
ضحكت بسخرية.
بالظبط إنتِ أختي. يعني الناس بتفتكر إننا شبه بعض.
وبعدين بصت مباشرة على جزمة أحمد.
وقالت
وفوق ده كله، إنتِ متجوزة عامل مزرعة!
كام شخص واقف قريب منا ضحك.
أمي كانت واقفة على بعد كام خطوة.
سمعت كل كلمة.
وموقفتش سارة.
بالعكس
ابتسمت.
وبعدين سارة رفعت كوباية النبيذ اللي في إيدها.
في البداية افتكرت إنها هتشرب.
لكنها ما شربتش.
مالت الكوباية.
والنبيذ الأحمر اندفع كله على فستاني.
شهقت من الصدمة.
وضحتكات الناس زادت.
واحدة من المدعوين حتى حطت إيدها على بوقها وهي بتضحك.
بصيت لأمي.
ولا عملت حاجة.
سارة هزت كتفها وقالت
أوبس.
وشي كان بيحرقني.
أحمد فورًا مد إيده بمنديل.
وقال بهدوء
معلش.
لكن لما بصيت في عينه
عرفت إنه مش بيتكلم عن الفستان.
كان بيقوللي
كفاية. شفت اللي يكفيني.
وفجأة
الموسيقى وقفت.
أبواب القاعة اتفتحت.
وموجة من الهمس والحماس انتشرت في المكان.
منظم الفرح جري ناحية المدخل.
وكام راجل أعمال وقفوا من أماكنهم.
والد العريس عدّل الجاكت بتاعه بسرعة.
حد من جنب المسرح همس
هو جه.
صوت تاني رد
مستحيل!
وبعدين حد شهق وقال
ده هو!
في الأول، مكنتش فاهمة ليه كل الناس بتبص في اتجاهنا.
لحد ما أحمد وقف بهدوء جنبي.
خلع الجاكت المبلول من المطر.
ودخل مجموعة من رجال الأعمال الأنيقين من باب القاعة.
واحد منهم بص في أنحاء المكان.
ولما عينه وقعت على أحمد
اتجه ناحيته فورًا.
مد إيده وقال باحترام شديد
أستاذ أحمد رشدي إحنا كنا مستنيين حضرتك.
القاعة كلها سكتت.
أمي رمشت كذا مرة.
سارة إيدها وقفت في نص الطريق وهي لسه ماسكة كوباية النبيذ.
العريس بص للرجل
وبعدين بص لأحمد.
وقال بعدم تصديق
أستاذ رشدي؟
أحمد صافح الرجل بهدوء.
وفجأة بدأ رجال تانيين يقربوا منه.
مصرفيين.
مطورين عقاريين.
مستثمرين.
رجال أعمال أمي كانت طول الليلة بتحاول تلفت نظرهم وتكسب رضاهم.
وكل واحد فيهم
كان عارف جوزي كويس.
نفس الراجل اللي أمي كانت عايزة تقعده جنب الزبالة.
نفس عامل المزرعة اللي أختي كانت لسه بتتريق عليه قدام الناس.
الكلام انقطع في نص الجمل.
الموبايلات اللي كانت مرفوعة من بعيد عشان تصور بدأت تنزل.
أمي وشها شحب تمامًا.
سارة فضلت باصة لأحمد.
وبعدين بصت لفستاني اللي النبيذ غرقه.
ولأول مرة طول الليلة
الخوف ظهر في عينيها.
لأن المستثمر الملياردير اللي كل الموجودين في الفرح كانوا بيتمنوا يرضوه
كان سمع كل كلمة.
وكان لسه ماسك المنديل اللي استخدمه عشان ينضف النبيذ عن فستان مراته
النبيذ اللي أخته الجديدة كبّته عليها قدام القاعة كلها.
واللي حصل بعد اللحظة دي كان كفيل إنه يغيّر حياة العيلة دي للأبد.
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا أحمد ما ردش فورًا.
وقف مكانه وسط القاعة، والمنديل لسه في إيده، وبص لسارة ثواني طويلة.
الصمت كان تقيل لدرجة إن صوت المطر اللي بره بقى واضح.
والد العريس حاول يكسر الصمت، فقرب منه وقال بابتسامة متوترة
أستاذ أحمد، والله حضور حضرتك شرف لينا. إحنا كنا بنتمنى نتشرف بمقابلتك من زمان.
أحمد هز راسه بهدوء.
الشرف ليا.
لكن عينه رجعت عليّا.
بس واضح إني وصلت في وقت مش مناسب.
الجملة كانت بسيطة
لكن وقعها كان أقوى من أي صرخة.
أمي اتحركت بسرعة ناحيته.
أحمد، حبيبي، حصل سوء تفاهم بس
رفع إيده بهدوء.
لو سمحتي يا مدام نادية.
سكتت.
أحمد كمل
أنا سمعت كل حاجة.
وشها اتغير.
سمعت إيه؟
بصلها مباشرة.
سمعت إن أنا عامل مزرعة.
سارة نزلت عينيها.
وسمعت إن وجودي كان محرج.
وبعدين بص للترابيزة اللي بره.
وشفت المكان اللي اخترتيه ليا ولمراتي.
محدش اتكلم.
أحمد حط المنديل على الترابيزة.
وقال
الغريب إن الفلوس عمرها ما كانت المشكلة بالنسبة لي.
سكت لحظة.
المشكلة إن الإنسان لما يفتكر نفسه أعلى من غيره بيبدأ يشوف كرامة الناس حاجة رخيصة.
الكلام نزل على القاعة كأنه صفعة.
أمي حاولت تبتسم.
إحنا والله مكناش نعرف إنك
قاطعها
ملياردير؟
اتجمدت.
أحمد ابتسم ابتسامة صغيرة من غير فرحة.
آه. مكنتيش تعرفي.
وبعدين بص لوالد العريس.
بس واضح إن حضرتك كنت عارف.
الرجل هز رأسه بسرعة.
طبعًا. شركتكم دخلت في أكتر من مشروع عندنا، وحضرتك من أهم المستثمرين في السوق.
بدأ الهمس ينتشر بين المدعوين.
واحد قال
يعني ده أحمد رشدي صاحب مجموعة رشدي للاستثمارات؟
التاني رد
أيوه هو نفسه.
أمي حطت إيدها على صدرها.
سارة بقت شاحبة.
أما أنا
فكنت واقفة مش عارفة أضحك ولا أعيط.
أحمد قرب مني.
بص لفستاني الملطخ بالنبيذ.
وقال بهدوء
إنتِ كويسة؟
هزيت راسي.
آه.
لكنه عرف إني بكدب.
مد إيده ومسك إيدي قدام الكل.
لا. مش كويسة.
وبعدين رفع عينه ناحية سارة.
ومش هتكون كويسة طول ما اللي حصل بيتعامل معاه كأنه هزار.
سارة بدأت تعيط.
أنا آسفة والله ما كنت أقصد.
أحمد رد
إنتِ قصدتي.
سكتت.
يمكن قصدك كان إهانتها، مش إهانتي أنا. ودي المشكلة الأكبر.
الكلمة دي خلتني أبصله.
كان بيتكلم عني
مش عن نفسه.
أمي قربت مني بسرعة.
يا بنتي خلاص، بقى! ما تكبريش الموضوع.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
أنا أكبر الموضوع؟
بصيتلها.
إنتِ اللي قعدتيني جنب الزبالة تحت المطر.
سكتت.
وأختي كبّت النبيذ عليّا قدام الناس.
سارة مسحت دموعها.
أنا قلتلك آسفة.
رديت عليها
مشكلتك إنك افتكرتي إني لازم أكون غنية عشان تستحقيني تحترميني.
الصمت رجع تاني.
وفي اللحظة دي
والد العريس تقدم ناحية أحمد.
وقال
أستاذ أحمد، بصراحة إحنا كنا عايزين نتكلم مع حضرتك النهارده في موضوع مهم جدًا.
أحمد بصله.
مش دلوقتي.
الرجل اتوتر.
طبعًا.
أنا مش جاي هنا عشان شغل.
وبص ناحيتي.
أنا جاي عشان مراتي.
الجملة دي عملت حاجة غريبة.
حسيت لأول مرة من بداية الليلة إن ضهري مش مكسور.
إن في حد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *