جوزي اشرف
إحنا عيلة قوية يا مريم مش صغيرة.
ساعتها فهمت إن اللي حصل ما كانش نهاية حياتي كان بداية جديدة بس. لأن أحيانًا، اللحظة اللي بنكتشف فيها الحقيقة هي نفس اللحظة اللي بنبدأ فيها حياة مختلفة تمامًا.
بعد الحكم، رجع البيت هادي بشكل غريب. الهدوء اللي زمان كان بيخوفني بقى دلوقتي مريح. أنا ومريم بقينا عايشين حياة بسيطة، لكن فيها راحة نفسية ماكنتش حاسة بيها بقالها سنين. في الأول كان صعب مش سهل إن الإنسان يقفل صفحة من عمره عاش فيها سنين طويلة. كل ركن في البيت كان فيه ذكرى، وكل حاجة كنت ببص لها كانت بتفكرني بأيام فاتت. لكن مع الوقت، بدأت أفهم إن الحياة مش بتقف عند حد.
مريم كانت أسرع مني في التأقلم. الأطفال عندهم قدرة عجيبة إنهم يتجاوزوا الألم لو حسوا بالأمان. بقت ترجع من المدرسة وهي تحكيلي عن صحابها، وعن المدرسين، وعن الرسومات اللي بتعملها في الكراسة. أوقات كنت ألاقيها قاعدة على الأرض في الصالة تبني بيوت من المكعبات، ولما أسألها بتقولي
ده بيتنا الجديد يا ماما فيه أوضة كبيرة ليكي وأوضة ليا وشباك كبير للشمس.
كنت أبتسم وأنا سامعاها، لكن جوايا كان فيه إحساس إن البنت الصغيرة دي أقوى بكتير مما كنت متخيلة.
عدى حوالي ست شهور.
في يوم كنت واقفة في المطبخ بعمل الغدا لما سمعت صوت الجرس. فتحت الباب لقيت واحد واقف ماسك ظرف. قال إنه تبع مكتب محاماة وسلمهولي ومشي. قفلت الباب وأنا مستغربة الظرف كان فيه أوراق رسمية.
فتحتها ولقيت رسالة قصيرة مكتوبة بخط أشرف.
كان أول مرة يكتب لي من يوم الحكم.
الرسالة كانت بسيطة جدًا
عارف إن الكلام دلوقتي مش هيغير حاجة. بس حبيت أقول إني غلطت. يمكن متأخر، بس دي الحقيقة. أتمنى إن مريم تبقى كويسة ولو يوم احتاجتني، أنا موجود.
قعدت شوية أبص للورقة.
ماحستش بغضب وماحستش حتى بالحزن. حسيت بشيء غريب أقرب للهدوء. لأن اللي فات خلاص بقى جزء من الماضي.
قطعت الورقة بهدوء وحطيتها في سلة المهملات.
في اللحظة دي دخلت مريم تجري من أوضتها وهي ماسكة ورقة كبيرة وقالت بحماس
ماما ماما بصي! رسمت حاجة.
فتحت الورقة كانت رسمة لبيت صغير، وشجرة كبيرة، وأنا وهي واقفين قدام الباب بنضحك. وفوقنا شمس كبيرة.
سألتها مبتسمة
فين بابا في الرسمة؟
بصت لي لحظة وبعدين قالت ببساطة
يمكن في بيت تاني.