بيت خطيبي

أول مرة أروح أتعشى في بيت خطيبي قبل الجواز، أمه سألتني وهي بترفع فنجان الشاي كأنها بتسأل سؤال عادي
يا توتا، إنتِ بتقبضي كام في الشهر من شغلك في المستشفى؟
إيدي اللي كنت ماسكة بيها معالق الأكل وقفت مكانها.
كان لؤي قاعد جنبي، فخبطني برجله من تحت الترابيزة بخفة، كأنه بيقولي إني أقول أي رقم وخلاص.
فكرت شوية، وبعدين رديت
حوالي 18 ألف جنيه يا طنط، وفي الشهور اللي بيكون عندي فيها نبطشيات كتير، ممكن أوصل لعشرين ألف.
الحقيقة إن الشهر اللي فات، مرتبي اللي قبضته كان 34 ألف جنيه.
أنا كنت دكتورة أخصائي أول في قسم الطوارئ بمستشفى المدينة المركزي، ومرتبي مع النبطشيات وبدلات العمليات والحوافز كان أكبر بكتير من 18 ألف جنيه.
لكن مكنتش حابة أفتح موضوع فلوسي بالتفصيل وأنا قاعدة على سفرة الأكل.
ساعتها، حماتي مظهرش على وشها أي تعبير غريب، واكتفت إنها قالت
آه، كويس.
وبعدين حطت قطعة لحمة في طبق لؤي.
افتكرت إن الموضوع انتهى عند كده.
لكن اللي حصل بعد كده كان أبعد بكتير عن أي حاجة ممكن أتخيلها.
تالت يوم بعد الجواز.
كان يوم إجازة، ولأول مرة من فترة طويلة مكنش عندي نبطشية، فكنت نايمة في الأوضة بعوض السهر والإرهاق اللي متراكم عليا.
وفجأة سمعت خبط على الباب.
توك توك توك.
لفيت الملاية حواليا وقمت أفتح.
لقيت حماتي واقفة قدامي، وفي إيدها دفتر توفير أحمر.
قالت بابتسامة هادية
يا توتا، أنا عايزة أتكلم معاكي في موضوع كده.
دخلت وقعدت على الكنبة اللي في الصالة، وحطت دفتر التوفير على الترابيزة اللي قدامها.
وبعدين بدأت تتكلم وهي بتشاور على الشقة حواليها.
بصي يا حبيبتي، الشقة دي أنا وأبو لؤي اشتريناها كاش، بأربعة مليون وستمية ألف جنيه.
شاورَت على الصالة، وبعدين على البلكونة.
والتشطيبات لوحدها كلفتنا 300 ألف جنيه. غير العفش والأجهزة الكهربائية، اللي أنا اخترت كل قطعة فيها بنفسي. يعني في الآخر، الشقة دي كلفتنا تقريبًا خمسة مليون جنيه.
فضلت ساكتة، مستنية أشوف هي عايزة توصل لإيه.
كملت كلامها بكل هدوء
وإنتِ لما اتجوزتي لؤي، جيتي تعيشي معانا في البيت. بتاكلي وبتشربي وبتستخدمي كل حاجة موجودة هنا، وعمرنا ما طلبنا منك تدفعي إيجار ولا حتى طلبنا منك فلوس الكهربا والميه ومصاريف العمارة.
سكتت لحظة، وبعدين بصتلي مباشرة.
وعشان كده أنا شايفة إن من أول الشهر الجاي، مرتبك يتحول ليا وأنا اللي أتصرف فيه.
بصيت لدفتر التوفير الأحمر اللي قدامها.

مكنتش مصدقة إنها بتتكلم بجد.
سألتها بهدوء
حضرتك تقصدي إني كل شهر أحوّل مرتبي كله على دفتر التوفير ده؟
ردت من غير تردد
أيوه طبعًا. إنتِ بتقبضي 18 ألف جنيه في الشهر، وده مبلغ مش قليل. وأنا اللي هبقى مسؤولة عن مصاريف البيت، وإنتِ كده هترتاحي من ۏجع الدماغ ومش هتشيلي هم أي حاجة.
سندت ضهري على الكنبة، وبصيت ناحية المطبخ.
كان لؤي واقف جوا بيعمل قهوة، وضهره لينا.
مش عارفة كان فعلًا مش سامع كلامنا، ولا كان عامل نفسه مش سامع.
أخدت نفس عميق، وبعدين سألتها
طيب يا ماما، عندي سؤال واحد.
قالت
اتفضلي يا حبيبتي.
مرتب لؤي كمان بيتحول على دفتر التوفير ده؟
اتغيرت ملامحها للحظة، وكأنها مكنتش متوقعة السؤال ده.
وبعدين ردت بسرعة
لؤي وضعه مختلف. هو راجل، وعنده مصاريف شغل وعزومات وعربية، ومصاريفه كتير.
بصيتلها باستغراب.
يعني هو مش مطلوب منه يسلّم مرتبه، وأنا مطلوب مني أسلّم مرتبي كله؟
ردت بنبرة فيها استنكار
إنتِ ست يا حبيبتي، هتصرفي على إيه يعني؟ شوية لبس وشوية مستحضرات تجميل؟ ممكن تقللي الحاجات دي وخلاص.
مسكت نفسي، وقمت من مكاني أجيب كوباية ميه.
وبعدين رجعت وقعدت قدامها.
قلت بهدوء، رغم إن جوايا كان فيه ڠضب بيزيد مع كل كلمة بتقولها
يا ماما، أنا مقدّرة إن الشقة دي إنتِ وأبو لؤي اللي اشتريتوها، ومش ناسية إنكم تعبتوا وصرفتوا عليها فلوس كتير.
لكن مرتبي ده مش فلوس جاتلي بالساهل. ده مقابل نبطشيات ليل طويلة، وحالات طوارئ ممكن أفضل فيها بالساعات، ومرضى حياتهم بتكون متعلقة بقرار لازم آخده في ثواني.
أنا كل شهر عندي من تمانية لعشرة نبطشيات، وساعات بشتغل ستة وتلاتين ساعة متواصلة من غير ما أعرف أنام كويس.
بصيتلها وقلت
الفلوس دي أنا تعبت فيها، ومقدرش أسلّمها كلها لأي حد.
الابتسامة اختفت من على وشها تمامًا.
وقالت بنبرة حادة
يعني إنتِ عايشة في بيتنا، وبتستخدمي حاجاتنا، ومش بتدفعي إيجار، وبرضه عايزة تحتفظي بمرتبك لنفسك؟
رديت من غير ما أرفع صوتي
أنا مستعدة أشارك في مصاريف البيت. ممكن أدفع جزء من الكهربا والميه ومصاريف العمارة والأكل، ونتفق على مبلغ مناسب كل شهر.
لكن إني أسلّم مرتبي كله، ده مش ممكن.
حطت فنجان الشاي على الترابيزة پعنف، وقالت
هو ده أسلوبك معايا بعد ما بقيتي مرات ابني؟!
وفي اللحظة دي، كان صوت تقليب القهوة لسه جاي من المطبخ.
ولؤي لسه مخرجش.
بصيت ناحية المطبخ للحظة، وبعدين رجعت أبص لحماتي.
حطيت كوباية الميه على

الترابيزة وقلت
يا ماما، أنا اتجوزت لؤي، مش اتجوزت الشقة.
ولو العيشة في البيت ده معناها إني لازم أتنازل عن مرتبي كله عشان يبقى من حقي أشرب كوباية ميه وأنا مرتاحة، يبقى بصراحة شروط دخول البيت ده أصعب مما كنت متخيلة.
قامت من مكانها مرة واحدة، وبصتلي پغضب.
طب روحي اسألي صاحباتك وزميلاتك، وشوفي مين فيهم اتجوزت ومش بتسلّم مرتبها لحماتها!
كل الناس اللي أعرفهم بيعملوا كده!
فضلت باصة لي تلات ثواني، وبعدين لفت ودخلت أوضة النوم الرئيسية، وقفلت الباب وراها بقوة هزت الحيطة.
بعدها بلحظات، لؤي خرج من المطبخ وهو شايل فنجان القهوة.
بصلي باستغراب مصطنع وسألني
هي ماما كانت بتقولك إيه؟
بصيتله من غير ما أرد للحظات، وبعدين قلت
إنت كنت واقف في المطبخ، ومسمعتش حاجة خالص؟ هو إنت معندكش ودان؟
حط القهوة قدامي وقعد جنبي.
يا توتا، ماما تفكيرها تقليدي شوية. متكبريش الموضوع وخليه يعدّي.
بصيتله باستنكار.
هي قالتلي إني لازم أسلّمها مرتبي كله كل شهر. وإنت شايف إن ده مجرد تفكير تقليدي؟
رد بسرعة
خلاص، أنا هتكلم معاها.
سألته
وهتقولها إيه؟
سكت شوية، وبعدين قال بكل بساطة
هقولها إن مرتبك مش كبير، وإنك لسه في بداية حياتك، وممكن تديها نصه مثلًا بدل المرتب كله.
شربت رشفة من القهوة، وحطيت الفنجان على الترابيزة.
وبعدين بصيتله مباشرة وقلت
لؤي، هو مرتبك إنت كمان هتسلّمه لمامتك؟
اتلخبط، ورد بنفس الجملة اللي سمعتها منها من شوية
ظروفي مختلفة يا توتا…
ابتسمت ابتسامة صغيرة من غير أي فرحة، وقمت من مكاني………
و ساعتها عرفت أن اللى جاى سواد عليا و على أهله……….
2
الساعة كانت تلاتة العصر، وكنت بجمع حاجتي في شنطة الشغل جوه أوضة النوم.
تاني يوم كان عندي عملية الساعة تمانية الصبح، وكنت محتاجة أروح المستشفى أراجع الأشعة المقطعية الخاصة بالمړيض قبل العملية.
لؤي فتح الباب ودخل.
قال وهو بيحاول يهديني
يا توتا، متزعليش نفسك أكتر من كده. أنا اتكلمت مع ماما وقلتلها متفتحش الموضوع ده تاني.
وقفت عن ترتيب حاجتي وبصيتله.
وهي قالتلك إيه؟
قعد على طرف السرير ومد إيده يمسك إيدي.
قالت إنها هتفكر في الموضوع وتشوف.
بصيتله باستغراب.
يعني إيه هتفكر وتشوف؟ هو فيه إيه أصلًا محتاج تفكير؟
شد إيدي برفق، وكمل
بصي يا حبيبتي، ماما لسانها طويل شوية لما تتعصب، لكن قلبها طيب ومش بتقصد حاجة وحشة.
إنتِ بس كبّري دماغك وعدّي الموضوع. وفي الآخر، إحنا قاعدين في بيت

أبويا وأمي، يعني لازم نراعي إن دي قواعدهم.
قفلت السوستة بتاعة الشنطة، وبعدين بصيتله وقلت
لؤي، هسألك سؤال، وعايزاك

عزومة خطوبتى

موقع أيام تريندز
تجاوبني بصراحة.
قال
اسألي يا حبيبتي.
إنت مرتبك خمسة وعشرين ألف جنيه في الشهر، صح؟ وماما عمرها ما طلبت منك إنك تسلّمها مرتبك، صح؟
فضل ساكت.
وسكوته كان كفاية عشان أعرف الإجابة.
كملت كلامي
أنا قلتلها إني بقبض 18 ألف جنيه بس. ومع ذلك، تالت يوم بعد الجواز، لقيتها جاية تطلب مني مرتبي كله. إنما مرتبك اللي خمسة وعشرين ألف جنيه، ولا جابت سيرته من قريب ولا من بعيد.
حاول يدافع عن نفسه
أنا قلتلك إن ظروفي مختلفة. أنا عندي عربية ومصاريف شغل وعزومات…
قاطعته بهدوء
عربيتك قسطها الشهري تلاتة آلاف وتمانمية جنيه. ومصاريف الشغل والعزومات الشركة بترجعهالك.
أنا بقى الشهر اللي فات دفعت ألفين وستمية جنيه مواصلات وتاكسيات عشان أروح نبطشيات الليل وأرجع منها. مين رجّعلي الفلوس دي؟
لؤي سحب إيده من إيدي، وملامحه اتغيرت.
وقال بضيق
إنتِ ليه بتتكلمي كأنك بتعملي حسابات عليّا؟ هو كل حاجة لازم تتحسب بالطريقة دي؟
بصيتله وقلت
أنا مش اللي بدأت أحسب يا لؤي. أنا بس برد على الحساب اللي مامتك فتحته من الأول.
في اللحظة دي، سمعت صوت شبشب حماتي في الطرقة بره الأوضة.
كانت ماشية، لكنها وقفت قدام الباب لحظات، وكأنها بتسمع كلامنا، وبعدين كملت طريقها.
قمت من مكاني، وشيلت الشنطة.
أنا رايحة المستشفى. عندي عملية بكرة الصبح.
لؤي بصلي باستغراب.
مش النهارده إجازتك؟
رديت وأنا بلبس الجاكيت
أيوه، إجازتي. بس واضح إن حتى وأنا في إجازة، مش بعرف أرتاح في البيت ده.
وأنا بلبس الجزمة عند باب الشقة، حماتي طلعت راسها من المطبخ وسألتني
مش هتقعدي تتعشي معانا؟
رديت بأدب
لأ يا ماما، عندي شغل في المستشفى.
بصتلي وقالت بنبرة ساخرة
إنتِ لسه صغيرة، وكل يوم رايحة جاية على المستشفى! هو المجهود ده كله يستاهل أصلًا إنك تقبضي 18 ألف جنيه؟
وطّيت أربط رباط الجزمة، من غير ما أرفع عيني ليها.
وقلت بهدوء
يستاهل طبعًا يا ماما. لأن الفلوس دي بتديني الثقة إني أقدر أعيش وأعتمد على نفسي من غير ما أحتاج لأي حد.
سكتت، ومردتش.
دخلت المصعد، وفضلت باصة لباب الشقة لحد ما اتقفل قدامي ببطء.
بعدها بثواني، موبايلي اهتز.
كانت رسالة من لؤي
متزعليش من ماما. هي كبرت في السن، ومش بتفكر زي الشباب.
بصيت للرسالة شوية، وبعدين رديت عليه في تلات كلمات
دي عندها 52 سنة.
اثنين وخمسين سنة مش سن يخلي الإنسان يفقد عقله أو ميعرفش هو بيعمل إيه.
بالعكس، أوقات كتير بيكون الإنسان في السن ده واعي بكل خطوة بياخدها، وعارف هو عايز يوصل لإيه بالضبط.
سؤال

عن المرتب الأول.
وبعدين يستنى لحد ما البنت تدخل البيت رسميًا.
وبعد الجواز بتلات أيام، يبتدي يفرض شروطه.
ده مش مجرد تفكير تقليدي.
ده كان ترتيب مسبق لكل حاجة.
لما وصلت سكن الأطباء في المستشفى، لقيت زميلتي وصاحبتي المقربة، منى، قاعدة على سريرها وبتاكل ساندويتش وهي بتتفرج على صور الأشعة.
أول ما شافتني، رفعت راسها باستغراب.
إنتِ مش المفروض النهارده إجازة؟ إيه اللي رجعك المستشفى بدري كده؟
رميت الشنطة على السرير، وقعدت جنبها.
حماتي عايزاني أسلّمها مرتبي.
منى وقفت أكل، وبصتلي پصدمة.
مرتبك كله؟
هزيت راسي.
كله.
اتخضت لدرجة إنها كادت تشرق في الأكل.
إيه؟! يعني إنتِ بتقبضي أكتر من تلاتين ألف جنيه في الشهر، وهي عايزاكي تديها المرتب كله؟!
قلت لها
هي فاكرة إني بقبض 18 ألف بس.
منى حطت الساندويتش على جنب، وقالت بجدية
حتى لو بتقبضي 18 ألف بس، برضه مينفعش الكلام ده! إنتِ لسه متجوزة من تلات أيام!
اتمددت على السرير وبصيت للسقف.
حجتها إن الشقة بتاعتهم، وإننا عايشين فيها، وبالتالي لازم أشارك بمرتبي كله.
منى فضلت ساكتة لحظات، وبعدين قالت
توتا، اسمعيني كويس. النوعية دي من الحموات بتبدأ تختبر حدودك من أول يوم. هي مش عايزة الفلوس وبس، هي عايزة تعرف إنتِ ممكن تتنازلي عن إيه لحد فين.
لو وافقتي المرة دي، بكرة هتقررلك تصرفي فلوسك إزاي، وبعده هتحددلك تخرجي إمتى وترجعي إمتى، وبعد كده ممكن تلاقي نفسها بتتحكم في كل تفصيلة في حياتك.
رديت بهدوء
أنا عارفة.
منى بصتلي وسألتني
طيب وجوزك؟ عمل إيه لما عرف؟
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.
كان واقف في المطبخ بيعمل قهوة.
منى فهمت كل حاجة من غير ما أشرح أكتر.
هزت راسها وقالت
آه، الكلاسيكية بقى! الأم تطلع تطلب الفلوس، والابن يعمل نفسه مش سامع. ولما الدنيا تولع، ييجي يعمل فيها المصلح الاجتماعي، ويقول لمراته معلش استحملي أمي وراعي إنها كبيرة.
فضلت ساكتة، لأني مكنتش لاقية حاجة أضيفها.
بعد شوية، موبايلي اهتز تاني.
المرة دي الرسالة كانت من حماتي.
فتحتها ولقيتها كاتبة
يا توتا، أنا كل اللي بعمله ده عشان مصلحة الأسرة، وعشان نحافظ على بيتنا. فكري في كلامي كويس، ولما ترجعي نتكلم تاني بهدوء.
فضلت باصة للرسالة حوالي نص دقيقة.
وبعدين مسحتها من غير ما أرد.
3
العملية اللي كان عندي تاني يوم الصبح عدّت بنجاح.
كانت حالة لمريض اتعرض لحاډثة عربية، وأصيب بتمزق في الطحال، واضطرينا نعمل عملية دقيقة عشان نحافظ على الطحال بدل ما نضطر نستأصله.
العملية

استمرت أربع ساعات كاملة.
ولما خرجت من غرفة العمليات، كانت الساعة عدت الواحدة ظهرًا.
وقفت في الطرقة وسندت ضهري على الحيطة، وشربت شوية ميه.
كنت مرهقة لدرجة إني حاسة إن رجلي مش شايلاني، لكن أول حاجة عملتها إني طلعت الموبايل أشوف لو فيه أي اتصالات مهمة.
لقيت أكتر من عشر رسايل.
لؤي كان باعتلي خمس رسايل ورا بعض.
العملية عدّت على خير؟
هترجعي البيت تتغدي معانا؟
ماما عاملة اللحمة اللي إنتِ بتحبيها.
يا توتا؟
إنتِ لسه زعلانة مني؟
قرأت الرسايل، لكن مردتش على أي واحدة فيهم.
نزلت لتحت، ولقيت رسالة من رقم غريب.
فتحتها، ولقيت صاحب الرقم كاتب
مساء الخير يا دكتورة توتا. حضرتك دكتورة توتا من قسم الطوارئ بمستشفى المدينة المركزي؟ أنا سكرتير الأستاذ شريف، رئيس مجلس إدارة مجموعة البناء والتعمير. الأستاذ شريف حابب يقابل حضرتك في نهاية الأسبوع لمناقشة مشروع متعلق بإدارة الرعاية الصحية.
مجموعة البناء والتعمير!
واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في المدينة.
وصاحبها، الأستاذ شريف، كان اسمه السنة اللي فاتت ضمن قائمة أشهر رجال الأعمال في المحافظة.
فضلت باصة للرسالة شوية، وبعدين حفظت الرقم ورديت
مساء النور، أيوه أنا الدكتورة توتا. يشرفني طبعًا. ياريت تبعتلي الموعد والمكان بالتحديد، وشكرًا لحضرتك.
بعد ما خلصت الكشف على المرضى في فترة العصر، نزلت كافيتيريا المستشفى عشان آكل.
لقيت منى قاعدة على ترابيزة، وأول ما شافتني شالت شنطتها من على الكرسي اللي قدامها وقالت
تعالي اقعدي هنا.
قعدت قدامها، وبدأت آكل.
سألتني وهي بتقلب الأكل بالشوكة
ها، عملتي إيه في موضوع حماتك؟ لسه مصممة على حكاية المرتب؟
رديت
بعتتلي رسالة بتقولي أرجع البيت ونتكلم بهدوء.
وإنتِ رديتي عليها بإيه؟
مسحت الرسالة.
منى ضحكت.
يا بنتي إنتِ قاسېة!
بصيتلها وقلت
مش قسۏة يا منى. أنا بس مش شايفة إن الجدال على الواتساب هيحل حاجة. الكلام اللي لازم يتقال، يتقال في وش بعض.
منى هزت راسها باقتناع، وبعدين افتكرت حاجة وقالت
آه، بالمناسبة، إنتِ سمعتي الخبر الجديد؟
رفعت عيني من الطبق.
خبر إيه؟
قالت وهي بتقرب صوتها مني
المستشفى هتختار نائب رئيس قسم الطوارئ قريب.
وقفت عن الأكل وبصيتلها باهتمام.
مين قالك؟
ردت
سكرتير الدكتور مدير المستشفى لمحلي النهارده إن القرار هيتحدد بعد تقييم نهاية السنة. والمرشحين حاليًا إنتِ والدكتور حسام.
الدكتور حسام كان أخصائي أول في نفس القسم، واشتغل في المستشفى قبلي بسنتين، لكن عدد العمليات

والحالات الحرجة اللي تعامل معاها كان أقل مني بكتير.
هزيت راسي وقلت
تمام، ربنا يقدم اللي فيه الخير.
منى بصتلي باستغراب.
تمام إيه بس؟! ده

منصب نائب رئيس القسم يا بنتي! إنتِ مش فرحانة؟
ابتسمت وقلت
أكيد هبقى مبسوطة لو حصل، بس خلينا دلوقتي نركز في المرضى اللي قدامنا، وكل حاجة تيجي في وقتها.
منى رفعت إيديها باستسلام.
خلاص يا ستي، إنتِ هادية ورايقة، وإحنا اللي أعصابنا تعبانة.
الساعة كانت سبعة بالليل لما قررت أخيرًا أرجع بيت عيلة لؤي.
أول ما وصلت، لقيته بيفتحلي الباب بنفسه.
ابتسم وقال
أهو أخيرًا رجعتي! تعالي يا حبيبتي، ادخلي.
خلعت الجزمة ودخلت الصالة.
حماتي كانت قاعدة على الكنبة وبتتفرج على التلفزيون.
أول ما شافتني، مسكت الريموت ووطّت الصوت.
بصتلي وقالت بنبرة أهدى بكتير من نبرة اليوم اللي فات
رجعتي يا توتا؟ جعانة؟ أنا سايبالك أكل.
ابتسمت ابتسامة بسيطة، وقعدت على طرف الكنبة البعيد عنها.
وبعدين قلت
يا ماما، أنا فكرت في موضوع امبارح كويس، وعايزة أقول لحضرتك أنا شايفة إيه.
حطت الريموت جنبها، وعدلت قعدتها.
اتفضلي يا حبيبتي، سامعاكي.
أخدت نفس عميق، وبدأت أتكلم بهدوء
أنا مستعدة كل شهر أساهم بأربعة آلاف جنيه في مصاريف البيت.
المبلغ ده يكون شامل الكهربا والميه ومصاريف العمارة والأكل والاحتياجات اليومية، وكل الحاجات اللي بنستهلكها في البيت.
ولو في شهر لقينا إن المبلغ مش كفاية، ممكن نقعد ونتكلم ونتفق على زيادة مناسبة.
سكت لحظة، وبعدين كملت وأنا ببصلها مباشرة
لكن مرتب شغلي وحسابي البنكي هيفضلوا تحت إدارتي أنا. أنا اللي هقرر أتصرف في فلوسي إزاي.
وبمجرد ما خلصت كلامي، ساد الصمت في الصالة.
حماتي فضلت باصة لي من غير ما تتكلم.
ولؤي، اللي كان واقف قريب من باب الصالة، بص لمامته وبعدين بصلي.
كنت عارفة إن الكلام لسه مخلصش.
وإن اللي جاي هو اللي هيحدد إذا كنت هقدر أحافظ على حقي وحدودي في البيت ده، ولا هما كانوا متخيلين إن مجرد الجواز كفاية عشان يبقى من حقهم يتحكموا في كل حاجة تخصني.
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها، إن حكاية المرتب دي كانت مجرد أول اختبار، وإن وراها أسرار تانية لسه مظهرتش.
الجزء الرابع حماتي كشفت عن نيتها الحقيقية قدام الكل!
حماتي فضلت ساكتة بعد ما قلتلها إني مستعدة أدفع أربعة آلاف جنيه كل شهر لمصاريف البيت، لكن مرتبي هيفضل تحت إدارتي.
كنت متوقعة إنها ترفض، لكن اللي حصل كان أغرب من كل توقعاتي.
ابتسمت فجأة، وقالت بنبرة هادية
يعني إنتِ شايفة إن أربعة آلاف جنيه كفاية عشان تعيشي

في شقة بخمسة مليون؟
رديت بهدوء
يا ماما، أنا مش بدفع إيجار، ومش بقول إني هدفع تمن الشقة. أنا بقول إني هشارك في مصاريف المعيشة، وده الطبيعي بين أي اتنين متجوزين.
ضحكت بسخرية.
متجوزين؟! هو إنتِ فاكرة إن الجواز شركة؟ كل واحد يحط فلوسه في جيبه ويقعد يحسب للتاني؟
بصيت للؤي، كنت مستنية منه يقول كلمة واحدة تدافع عن حقي، لكنه كالعادة وقف ساكت.
حماتي كملت
أنا عمري ما شفت بنت داخلة بيت جوزها بالشكل ده. المفروض تبقي حريصة على بيتك، مش حريصة على مرتبك.
قلت لها
أنا حريصة على بيتي يا ماما، وعشان كده مش عايزة الفلوس تبقى سبب مشاكل بينا. أنا مش هسيب مسؤولياتي، لكن في نفس الوقت مش هسلّم مرتبي لحد.
وفجأة قامت من مكانها، وقالت بصوت عالي
خلاص! طالما مش عاجبك نظام البيت، الباب يفوّت جمل!
لؤي اتحرك بسرعة ناحيتها.
يا ماما، اهدي بس، مش كده.
لكنها زعقت فيه
إنت تسكت خالص! أنا اللي ربيتك، وأنا اللي تعبت في الشقة دي، وفي الآخر واحدة لسه داخلة البيت من تلات أيام تيجي تعلمني أعيش إزاي؟
وبعدين بصتلي وقالت
عايزة تحتفظي بمرتبك؟ براحتك. بس من النهارده كل واحد يشيل مسؤولية نفسه. متطلبيش مني أعملك أكل، ولا تغسلي هدومك مع هدومنا، ولا تستخدمي أي حاجة تخصني.
فضلت باصة لها، ومكنتش مصدقة إن خلاف على الفلوس وصلنا للدرجة دي.
لكن بدل ما أعيط أو أتعصب، ابتسمت وقلت
حاضر يا ماما. طالما ده اللي حضرتك شايفاه مناسب، أنا هحترم رغبتك.
وشيلت شنطتي ودخلت أوضتي.
لؤي دخل ورايا وقفّل الباب.
إنتِ إيه اللي إنتِ عملتيه ده؟!
بصيتله باستغراب.
أنا؟! هو أنا اللي قلت لمراتي ابني إنها متستخدمش حاجة في البيت؟
قال بعصبية
إنتِ عارفة ماما طبعها إيه، ليه بتواجهيها بالطريقة دي؟ كان ممكن توافقي مؤقتًا، وبعد كده نبقى نشوف حل.
ضحكت من الصدمة.
أوافق مؤقتًا على إني أسلّمها مرتبي كله؟ وبعد كده لما أطلب فلوسي، تقوللي إيه؟ إنها صرفتها؟ ولا تقوللي إن الفلوس بقت من حقها؟
قرب مني وقال
إنتِ مكبرة الموضوع أوي يا توتا.
بصيت في عينيه وسألته
لؤي، إنت عايزني أعمل إيه بالضبط؟
رد من غير ما يفكر
عايزك تمشي الدنيا. مش كل حاجة تتحول لخناقة.
قلتله
طيب، خلينا نفترض إني وافقت وسلمت مامتك مرتبي. وبعد شهر حصلت حالة طوارئ واضطريت أشتري جهاز طبي أو أدفع مصاريف حاجة تخصني، هطلب منها الفلوس؟ ولو رفضت، هعمل إيه؟
قال بضيق
ما

أنا موجود، هتطلبي مني.
السؤال اللي بعده خرج مني من غير تفكير
وأنا لو طلبت منك فلوس من مرتبي أنا، هبقى باخد منك سلف؟
سكت.
والسكون اللي نزل بينا كان أقوى من أي إجابة.
فتحت الدولاب، وبدأت أحط هدومي في شنطة صغيرة.
لؤي قرب مني بسرعة.
إنتِ بتعملي إيه؟
هروح أقعد عند أهلي كام يوم، لحد ما كل واحد فينا يفكر بهدوء.
مسك الشنطة من إيدي.
مستحيل تخرجي من البيت دلوقتي. الناس هتقول إيه؟ إحنا لسه متجوزين من كام يوم!
سحبت الشنطة منه.
لما كنت واقف في المطبخ وسامع أمك بتطلب مرتبي، مكنتش خاېف الناس تقول إيه. دلوقتي بقيت خاېف؟
وشه اتغير.
أنا مكنتش عايز أزعلها.
قلتله وأنا بقفل الشنطة
وأنا مش من حقّي متزعلش؟
مردش.
خرجت من الأوضة، ولقيت حماتي واقفة في الصالة، كأنها كانت مستنياني.
بصت للشنطة وقالت ببرود
رايحة فين؟
هقعد عند أهلي يومين.
ردت بسرعة
براحتك. بس لما تخرجي من البيت ده، متجيش بعد كده تقولي إننا طردناكي.
وقفت قدامها وقلت
أنا شاهدة على كلام حضرتك. إنتِ بنفسك قلتيلي إن الباب يفوّت جمل، وإنك مش عايزاني أستخدم أي حاجة تخصك. أنا مش جاية أعمل مشكلة، أنا بس باخد مساحة أقدر أفكر فيها.
وبعدين بصيت للؤي.
لو عايز تتكلم معايا، تعالى نتكلم من غير ما حد يتدخل في فلوسنا وحياتنا.
خرجت من الشقة، وقلبي كان تقيل.
مش عشان سبت البيت، لكن عشان اكتشفت إن الراجل اللي كنت فاكرة إنه هيبقى سندي، مستعد يسيبني أواجه كل حاجة لوحدي، لمجرد إنه مش عايز يزعل أمه.
وصلت بيت أهلي، وأول ما أمي فتحت الباب وشافتني شايلة شنطتي، وشّي فضحني قبل ما أتكلم.
حضنتني وقالت
مالك يا بنتي؟ حصل إيه؟
دخلت معاها الصالة، وحكيتلها كل اللي حصل من أول سؤال حماتي عن مرتبي لحد ما طلبت مني أخرج من البيت.
أمي فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت
يا توتا، أنا وأبوكي ربيناكي عشان تبقي مستقلة، مش عشان تشتغلي وتتعبّي وفي الآخر حد ياخد تعبك منك. بس برضه، لازم تعرفي إذا كان جوزك مش فاهم حدود العلاقة، ولا هو متفق معاهم من البداية.
كلامها خلاني أفكر في حاجة مكنتش عايزة أفكر فيها.
هل لؤي فعلًا مجرد شخص ضعيف قدام أمه؟ ولا فيه حاجة أكبر أنا لسه معرفهاش؟
في اللحظة دي، موبايلي رن.
كان لؤي.
مردتش.
بعتلي رسالة
توتا، أنا مش عارف إنتِ مصممة توصلي الموضوع لكده ليه. ماما تعبت طول عمرها عشاننا، ومش من حقك تكسري كلمتها في بيتها.
قرأت

الرسالة مرتين.
وبعدين كتبتله
أنا محاولتش أكسر كلمتها. أنا بس رفضت أتنازل عن حقي.
بعتلي بعدها بدقيقة
بكرة لازم ترجعي،

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *