جدي
طلع مفتاح نحاسي قديم، واداه لجدي.
جدي مسكه، وإيده كانت بتترعش.
وبعدين بصلي وقال
إميلي، إنتِ لازم تيجي
معانا. فيه حاجة في البيت ده تخصك إنتِ بالذات.
بعد حوالي ساعة، وصلنا للبيت القديم.
كان بيت كبير، محاط بسور حجري، والجنينة بتاعته مليانة شجر ناشف وأوراق متراكمة. الشبابيك مقفولة، والباب الخشبي عليه طبقة تراب واضحة، كأن محدش قرب منه من سنين.
أمي وقفت قدام الباب، ودموعها لمعت في عينيها.
هنا كنت بقضي إجازة الصيف مع أختي آخر مرة شفتها فيها، كنا پنتخانق على حاجة تافهة، وقلت لها إني مش عايزة أشوفها تاني.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
ما كنتش أعرف إن دي هتبقى آخر مرة أتكلم معاها فيها.
جدي فتح الباب بالمفتاح، ودخلنا.
البيت كان مليان أثاث قديم ومتغطي بملايات بيضا. وعلى الحيطة، كانت فيه صور عائلية كتير، لكن صورة واحدة شدت انتباهي.
كانت صورة لأبويا وهو شاب، واقف قدام البيت نفسه، وماسك إيد طفلة صغيرة.
قربت من الصورة، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
ماما، دي أنا؟
أمي قربت وبصت للصورة.
أيوه، دي إنتِ يا حبيبتي بس الصورة دي قديمة جدًا. إنتِ كنتِ صغيرة وقتها.
جدي فضل باصص للصورة، وبعدها قال
الصورة دي اتصورت قبل ۏفاة أبوكي بشهرين.
بصيتله باستغراب.
طب ليه بابا جابني هنا؟ أنا مش فاكرة إني جيت البيت ده قبل كده!
جدي ما ردش.
وفجأة، سمعنا صوت خبط جاي من الدور اللي فوق.
ثلاث خبطات بطيئة.
وبعدها صوت حاجة وقعت على الأرض.
أمي مسكت إيدي بقوة، ودانيال وقف قدام السلم وقال
محدش يطلع لوحده.
طلعنا كلنا بحذر، لحد ما وصلنا لأوضة في آخر الطرقة. الباب كان موارب، ومن جواه كان فيه نور خاڤت.
جدي دفع الباب ببطء.
الأوضة كانت مليانة كتب وصناديق قديمة، وفي نصها مكتب خشبي كبير. فوق المكتب كان فيه جهاز تسجيل قديم، وجنبه ظرف عليه اسمي.
إلى إميلي لما تكملي عشرين سنة.
حسيت برجلي مش شايلاني.
فتحت الظرف بسرعة، ولقيت جواه ورقة مكتوبة بخط أبويا اللي عمري ما أنساه.
بنتي الحبيبة إميلي،
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى جدك نفّذ وعده، ووصلتي للمكان اللي خبّيت فيه الحقيقة.
فيه حاجة لازم تعرفيها عن يوم ولادتك، وعن السبب اللي خلاني أطلب من جدك يحافظ على الصندوق.
أنا ما كنتش عايز أخبي عنك حاجة، لكن كنت خاېف إنك تكبري وإنتِ شايلة مسؤولية سر مش مسؤوليتك.
افتحي الدرج الأخير في المكتب، وهتلاقي الحاجة اللي هتفسر كل حاجة.
أول ما خلصت قراءة، فتحت الدرج الأخير.
كان جواه ملف طبي قديم، وصورة لطفلة رضيعة، وورقة رسمية عليها اسم أمي واسم أختها.
أمي أخدت الورقة، وبدأت تقراها، لكن فجأة وشها اتغير تمامًا.
لأ مستحيل! ده مش ممكن!
جدي قرب منها بسرعة.
مالك يا مارثا؟ إيه اللي مكتوب؟
أمي بصتلي، وعينيها مليانة دموع، وقالت
إميلي الورقة دي بتقول إن أختي كانت موجودة في المستشفى يوم ولادتك، وإنها هي اللي وقّعت على استلامك بعد الولادة!
اتجمدت مكاني.
إزاي يا ماما؟ إنتِ اللي ولدتيّني!
أمي هزت راسها بسرعة.
أيوه، طبعًا إنتِ بنتي، ومفيش أي شك في ده. بس أنا ما كنتش أعرف إن خالتك كانت موجودة يومها أصلًا!
جدي أخد الورقة من إيدها، وبص فيها طويلًا، وبعدها قال
يبقى هنري ما كانش بيدور على الأرض بس كان بيحاول يوصل للحقيقة اللي اتدفنت يوم ولادتك.
في اللحظة دي، جهاز التسجيل اللي فوق المكتب اشتغل لوحده.
طلع منه صوت راجل عجوز، متقطع وضعيف
والتر لو إنت سامع التسجيل ده، يبقى أنا ما قدرتش أرجع في الوقت المناسب.
جدي قرب من الجهاز، ووشه بقى شاحب.
الصوت كمل
فيه حد من العيلة كڈب عليكم طول السنين دي، لكن قبل ما تتهموا أي حد، اسمعوا التسجيل للآخر. الحقيقة مش زي ما إنتوا فاكرين والشخص اللي بتدوروا عليه مش هو اللي بدأ كل ده.
وبعدها سمعنا جملة خلت أمي تحط إيدها على بقها من الصدمة
مارثا، أختك ما اختفتش بسبب خلاف العيلة أختك
اختفت يوم ما حاولت تحمي إميلي من سر كان ممكن يغيّر مستقبلها للأبد!
وفجأة، التسجيل وقف.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت مفتاح بيتحط في باب البيت الرئيسي تحت.
حد دخل البيت.
وجدي همس پخوف
مستحيل يكون وصل هنا قبلنا!
بصيت ناحية باب الأوضة، وشفت ظل شخص واقف في آخر الطرقة.
وبعدين سمعنا صوته بيقول
والتر أنا عارف إنكم فوق. كفاية بقى، جه الوقت إن إميلي تعرف أنا مين.
ولما الشخص ظهر قدامنا، أمي صړخت باسمه لأنه كان آخر شخص في الدنيا تتوقع إنها تشوفه تاني!
أمي فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تتحرك ولا حتى تنطق اسمه.
الراجل اللي واقف قدامنا كان كبير في السن، شعره أبيض، ووشه شاحب، لكنه كان بيبص لأمي بعينين مليانين دموع.
قال بصوت مبحوح
إزيك يا مارثا؟ عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة، بس والله ما كان بإيدي أرجع قبل كده.
أمي رجعت خطوة لورا، وهزت راسها وهي بټعيط.
لأ لأ، إنت مستحيل تكون هنا! إحنا دفنّاك بإيدينا!
جدي والتر سند نفسه على المكتب، وبص للراجل بذهول.
هنري؟! إنت عايش؟!
الراجل هز راسه ببطء.
أيوه يا والتر، أنا عايش وكنت مستني اليوم اللي أقدر فيه أرجع وأقول الحقيقة بنفسي.
أنا كنت واقفة مش فاهمة أي حاجة. الراجل ده هو نفس الشخص اللي شوفناه في الصورة، وهو كمان الشخص اللي عيلتنا فضلت فاكرة إنه ماټ من 30 سنة!
قربت منه وسألته
إنت أخو جدي؟ وإيه علاقتك بيا وبأبويا؟ وليه كل الناس كانت مخبية الحقيقة دي؟
هنري بصلي بحنان وقال
لأن أبوكي كان أكتر واحد حاول يحميكي من أسرار الماضي، وأنا وعدته إني ما أظهرش في حياتك غير لما تتمي عشرين سنة.
أمي صړخت فيه
تحميها من إيه؟! إميلي بنتي، وأنا من حقي أعرف كل حاجة تخصها!
هنري نزل عينيه، وطلع من جيبه ظرف قديم.
معاكي حق يا مارثا. وعشان كده أنا رجعت النهارده، وجايب الدليل اللي هيوضح كل حاجة.
حط الظرف على المكتب، وفتحه قدامنا.
جواه كانت فيه ورقة رسمية، وصورة قديمة لأمي وهي شابة، وصورة تانية لخالتي اللي أمي كانت فاكرة إنها ماټت.
لكن المفاجأة ما كانتش في الصور.
المفاجأة كانت في الورقة الرسمية، اللي مكتوب فيها إن فيه قطعة أرض كبيرة كانت ملك لجدتي، وإن قبل ۏفاتها بأيام، كتبت وصية بتقسّم فيها ممتلكاتها بين بنتيها، مارثا وأختها سوزان.
أمي بصت للورقة باستغراب.
طب وإيه علاقة ده باختفاء سوزان؟
هنري رد
بعد ۏفاة أمكم، اكتشفنا إن الوصية الأصلية اختفت، وإن فيه حد قدّم ورق تاني بيقول إن سوزان تنازلت عن نصيبها. لكن الحقيقة إن سوزان عمرها ما وقّعت على أي تنازل.
جدي والتر قاطعه
وأنا فضلت أدور على الورق الأصلي سنين، لحد ما أبوكي يا إميلي عرف مكانه.
بصيت لجدي وسألته
طب ليه ما قلتليش الكلام ده من الأول؟ ليه خليتني أروح الغابة كل يوم وأدور معاك على الصندوق؟
جدي قرب مني وقال بحزن
لأن الصندوق كان مدفون في أرض الغابة، وأبوكي علّمني إزاي أوصل له. ولما صحتي بدأت تتدهور، خفت أموت قبل ما أوصل للحقيقة. إنتِ كنتِ آخر شخص أبوكي وصّاني أثق فيه، عشان كده طلبت مساعدتك.
سكت لحظة، وبعدين كمل
لكن كان المفروض أشرحلك كل حاجة من البداية، وأنا آسف إني خوفتك.
مسكت إيده، وقلتله
أنا مش زعلانة إنك طلبت مساعدتي يا جدي، أنا زعلانة إنك خليتني أحس إن فيه مصېبة بتحصل ومش راضي تقولي الحقيقة.
هنري هز راسه موافقًا، وبعدها بص لأمي.
فيه حاجة تانية لازم تعرفيها يا مارثا. سوزان ما اختفتش عشان الأرض ولا الفلوس. هي