جدي
الرسالة وأنا بعيط.
أمي حضنتني بقوة، وقالت
أبوكي كان شايل همنا كلنا،
وإحنا ما كناش عارفين!
لكن يوسف فتح درج تاني، وطلع منه ملف أخير.
قال
لسه فيه حاجة لازم تشوفوها. دي النسخة الأصلية من وصية جدتكم، ومعاها تقرير رسمي بيثبت إن المستندات اللي اتقدمت بعد ۏفاتها اتغيّرت من غير موافقة سوزان.
جدي والتر مسك الملف، وبعد ما راجعه مع محامي العيلة، اتأكدنا إن الوصية الأصلية بتثبت حق أمي وخالتي بالتساوي في الممتلكات.
وبكده، اتكشفت الحقيقة اللي اتخبّت أكتر من 30 سنة.
أما عماد، فلما واجهناه بالمستندات، اعترف إنه صدّق الخطاب المزور وسلّم النسخة اللي كانت معاه من غير ما يتأكد من صحتها. ما كانش هو اللي زوّر الوصية، لكنه اعترف إنه أخطأ لما ما راجعش الحقيقة بنفسه.
قررنا نبدأ الإجراءات القانونية عشان نثبت حقوق العيلة، من غير ما نظلم حد أو نتهم شخص من غير دليل.
لكن كان فيه شخص واحد لسه ناقص في الحكاية كلها
سوزان.
بعد أسبوع، سافرنا للعنوان اللي كانت بعتته لأمي.
أول ما الباب اتفتح، ظهرت ست كبيرة في السن، شعرها أبيض وملامحها شبه أمي بشكل خلاني أعيط قبل ما أتكلم.
أمي وقفت مكانها، وهمست
سوزان إنتِ فعلًا هنا؟
سوزان دموعها نزلت، وفتحت دراعاتها.
أيوه يا مارثا أختك رجعت.
أمي جريت عليها وحضنتها، والاتنين فضلوا يعيطوا وقت طويل، كأنهم بيحاولوا يعوضوا 30 سنة من الغياب في لحظة واحدة.
وبعد ما هديوا، أمي سألتها
ليه ما رجعتيش؟ ليه سيبتيني أعيش كل السنين دي وأنا فاكرة إنك متِّي؟
سوزان مسكت إيديها وقالت
كنت غلطانة يا مارثا. افتكرت إن البُعد هيحميكي، وإن رجوعي من غير دليل ممكن يفتح مشاكل أكبر. وكل ما السنين كانت بتعدي، كنت بخاف أواجهك وأحكيلك إني سبتك لوحدك.
أمي ردت وهي بټعيط
كنت محتاجاكي يا سوزان حتى لو ما كانش معاكي أي دليل، كنت محتاجاكي أختي!
سوزان حضنتها تاني، ووعدتها إنها مش هتختفي من حياتها أبدًا.
وفي اللحظة دي، فهمت إن أكبر خسارة في الحكاية ما كانتش الأرض ولا الفلوس، لكنها السنين اللي ضاعت من عمر أختين بسبب الخۏف والسكوت.
بعد شهر، اتجمعت العيلة كلها في بيت جدي والتر.
اتصلح الوضع القانوني للممتلكات، واترد لكل واحدة حقها، وقررنا نستخدم جزء من نصيبنا في ترميم البيت القديم وتحويله لمكان صغير يحتفظ بصور العيلة وحكاياتها، عشان الأجيال الجديدة تعرف تاريخها من غير أسرار مؤذية.
أما جدي، فاعتذرلي قدام الكل لأنه كان بيطلب مني أروح الغابة من غير ما يشرحلي السبب.
حضنته وقلتله
أنا مسامحاك يا جدي، بس أوعدني إننا من النهارده مش هنخبي عن بعض أي حاجة مهمة.
ابتسم، ودموعه لمعت في عينيه.
أوعدك يا بنتي. كفاية أسرار ضيعت مننا العمر.
وبعدها بأيام، رجعت أنا وأمي للغابة للمرة الأخيرة.
وقفنا جنب النهر، في نفس المكان اللي بدأت فيه الحكاية، وبصينا للشجرة القديمة اللي كان جدي بيخبي تحتها الصندوق.
أمي مسكت إيدي وقالت
غريبة الدنيا يا إميلي ساعات بنخاف من الحقيقة، ونفضل نهرب منها سنين، ولما نعرفها نكتشف إننا كنا محتاجين نواجهها من البداية.
بصيت للمية وابتسمت بحزن.
افتكرت أبويا، وجدي، وخالتي، وكل السنين اللي ضاعت بسبب أسرار ما كانش لازم تفضل مدفونة.
وقبل ما نمشي، حطيت صورة أبويا جوه الصندوق الفاضي، ومعاها ورقة كتبت فيها
لأبويا الحبيب الحقيقة ظهرت أخيرًا، والعيلة رجعت لبعض. سامحتك على كل حاجة ما قدرتش تحكيها، وهفضل فاكرة إنك حاولت تحمينا بطريقتك، حتى لو الطريق كان طويل وصعب.
قفلت الصندوق، ومشيت مع أمي وإيدي في إيدها.
ولأول مرة من شهور، حسيت إن مفيش سر مستنينا في آخر الطريق.
النهاية.