طوال ستين سنه
يوسف ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال:
“أبويا كان دايمًا يقول إن الشجاعة مش معناها إن الإنسان ما يخافش… الشجاعة إنه يخاف، وبرغم كده يكمل.”
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وقلت:
“الكلام ده كان أنا اللي بقوله له.”
لحظة واحدة…
وش يوسف بقى نسخة من أحمد وهو شاب.
اضطريت ألف وشي ناحية الشباك.
واتخيلت العمر اللي كان ممكن نعيشه سوا…
والابن اللي كان ممكن يبقى ابننا.
لكن كان فيه سؤال لازم أعرف إجابته.
سألته بهدوء:
“هو… اتجوز؟”
إيد يوسف شدت على الدركسيون.
ورد بكلمة واحدة.
“أيوه.”
الكلمة نزلت على قلبي تقيلة.
لكنني حاولت أتماسك.
“مين كانت؟”
قال:
“أمي.”
“هي اللي كانت بتعالجه بعد ما رجع.”
سألته:
“كانت تعرف إن كان فيه واحدة في حياته قبل الحرب؟”
هز رأسه.
“أيوه.”
“لكن عمرها ما عرفت اسمك.”
سكت شوية، وبعدين سألت أصعب سؤال.
“حبها؟”
فضل يوسف ساكت كام ثانية.
وبعدين قال:
“أيوه… حبها.”
غمضت عيني.
الغريب إني ما حسيتش بغيرة.
ولا غضب.
كل اللي شوفته في خيالي كان شاب مكسور، رجع من الحرب وهو فاقد ذكرياته، وبيحاول يبدأ حياته من جديد.
سألته:
“وأمك؟”
قال بصوت هادي:
“توفيت من خمس سنين.”
قلت بإخلاص:
“الله يرحمها.”
بص لي وقال:
“كانت ست طيبة.”
عرفت من نبرة صوته إنه بيقول الحقيقة.
وصلنا دار الرعاية.
استقبلتنا الممرضة عند الباب وقالت:
“لازم تكوني مستعدة… ممكن ما يعرفكيش.”
“ولو اتوتر أو تعب، هنضطر ننهي الزيارة.”
هزيت راسي بهدوء.
بقالي اتنين وستين سنة، أحمد في ذاكرتي عنده تمنطاشر سنة.
شعره الأسود.
ضحكته.
وإيده الدافية وهي ماسكة إيدي.
لكن ورا الباب…
كان فيه راجل عنده تمانين سنة.
راجل الزمن غيره.
وقفت قدام الباب، وحسيت رجلي تقيلة.
همست:
“ولو ما بقاش فاضل أي حاجة من اللي كان بينا؟”
يوسف قال برفق:
“ممكن ترجعي لو مش قادرة.”
ومريم مسكت إيدي.
لكنني هزيت راسي.
وقلت:
“أنا ما جيتش كل المسافة دي علشان أخاف وأنا واقفة قدام الباب.”
دخلت.
كان أحمد قاعد على كرسي متحرك، جنب الشباك.
بعد ثواني لف وشه ناحيتنا.
السنين غيرت ملامحه…
لكن عيونه…
كانت هي هي.
قلبي عرفه قبل عيني.
يوسف قرب منه وقال:
“يا أبي… فيه حد جه يشوفك.”
بص لي أحمد باحترام، كأني غريبة.
وفي اللحظة دي…
الأمل اللي كنت شايله السنين دي كلها، سكت.
ابتسمت رغم الوجع.
وقلت:
“أنا أمينة.”
ردد الاسم بهدوء: