طوال ستين سنه
لحد ما جه يوم استدعاؤه للخدمة.
في الليلة الأخيرة، فضلنا قاعدين تحت الشجرة لحد الفجر.
كان ماسك إيدي بكل قوته، وقال:
“مهما طول الغياب… هرجعلك.”
وبعد سنة، أمه خبطت على باب بيتنا وهي منهارة.
قالت إن أحمد بقى من المفقودين.
وبعدها بكام شهر أعلنوا وفاته.
ومن يومها…
ما قدرتش أفتح قلبي لحد غيره.
كل الحب اللي كان جوايا، وزعته على الأطفال المرضى، وعلى كل إنسان محتاج كلمة طيبة أو حضن يهون عليه الدنيا.
مكنش ده بيعوض غيابه…
بس كان بيخليني أعرف أكمل.
كل سنة، كنت أرجع لنفس الشجرة، شايلة ورد أحمر، وأقرأ له الفاتحة.
بصيت ليوسف وسألته:
“ليه جيت النهارده؟”
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
“لأن أبويا هو اللي طلب مني أدور عليكي.”
شدّيت المنديل اللي ادتهولي الطفلة بين صوابعي.
وكملت أسمع.
قال:
“من شهر نقلته لمركز رعاية، ولما كنا بنرتب حاجته، لقيت الصندوق الأزرق مقفول جوه درج قديم.”
“أول ما شافه، اتأثر جدًا.”
“وفي لحظة نادرة رجعت له ذاكرته، وقال جملة واحدة.”
وقفت أنفاسي.
يوسف بصلي وقال:
“قال… لازم الصندوق يوصل لأمينة.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
الاسم ده…
ما كانش بيناديني بيه غير أحمد.
سألته بسرعة:
“هو بخير؟”
هز رأسه ببطء.
“لسه عايش…”
“لكن حالته الصحية بتتدهور يوم بعد يوم.”
لأول مرة، وأنا ببص في وش يوسف، ما شفتش شبه أحمد وبس.
شفت ابن بيستعد يودع أبوه.
مريم قالت برقة:
“إحنا ممكن نوصلك البيت، وتفكري براحتك.”
يوسف قفل الصندوق الأزرق بهدوء.
وقال:
“مش لازم تاخدي قرار دلوقتي.”
بصيت لمريم.
“قرار إيه؟”
رجعت الخاتم مكانه جوه الصندوق.
“بقالي اتنين وستين سنة بكلم أحمد… كأني متأكدة إنه لسه سامعني.”
سكت لحظة، وبعدين كملت:
“ولو هو قريب لدرجة إنه يقدر يرد عليّ… فأنا مش هستنى يوم كمان.”
بصيت في عيون يوسف وقلت من غير تردد:
“وديني له.”
طول الطريق، العربية كانت ساكتة.
كل واحد فينا غرقان في أفكاره.
وبعدين سألت السؤال اللي كان محيرني.
“أحمد… كان بيفتكرني؟”
يوسف رد وهو مركز في الطريق:
“كان بيفتكر الإحساس أكتر من الأسماء.”
“كان ساعات يحكي عن بنت لابسة فستان أصفر… وإيديها كانت بتترعش.”
همست من غير ما أحس:
“دي أنا.”
وبصيت من الشباك وأنا بابتسم وسط دموعي.
“آخر ليلة قبل ما يسافر، لبست الفستان الأصفر.”
“كان دايمًا يقول لي إن اللون ده بيخليني شبه الشمس… وإنه بيطمن أول ما يشوفني.”