طوال ستين سنه

وبعد كام أسبوع…

يوسف رتب لنا خروجة قصيرة برا دار الرعاية.

يوسف خد أحمد في يوم مشمس، ورجعه لنفس الشجرة اللي بدأت عندها الحكاية.

مريم وقفت بعيد شوية، بينما يوسف زق الكرسي المتحرك لحد ما وصل تحت ظل الشجرة، وبعدها سابنا لوحدنا في هدوء.

ركعت على الأرض.

طلعت وردة حمرا من الباقة، وحطيتها في إيد أحمد.

فضل يبص لها شوية، ويمرر صوابعه على بتلاتها برقة.

قلت بصوت واطي:

“فاكر؟”

“قعدنا هنا ليلة كاملة… لحد ما الشمس طلعت.”

فضل ساكت.

وبعدين رفع عينه ناحيتي.

وقال فجأة:

“إنتي وعدتيني… إني هرجع.”

اتغيرت أنفاسه.

ورفع إيده ببطء، ولمس الغمازة اللي في دقنه، وبعدها بص في عيني مباشرة.

وقال بصوت خافت:

“أمينة؟”

حطيت إيدي على بقي.

دموعي نزلت من غير ما أقدر أمنعها.

في اللحظة دي…

كل الضباب اللي كان مغطي ذاكرته اختفى.

بص لي وابتسم.

وقال:

“كنتي لابسة فستان أصفر.”

ضحكت وسط بكايا.

وقلت:

“والله كان أوحش فستان عندي.”

هز راسه بابتسامة هادئة.

وقال:

“لكن كنتي أجمل واحدة في الدنيا.”

ورا ضهري، يوسف لف وشه الناحية التانية علشان يخبي دموعه.

ومريم حطت إيديها على بقها وهي بتبكي.

مديت إيدي، ومسكت إيده.

فضل يبص في وشي طويل.

وبعدين همس:

“لا…”

“إنتي اللي جيتي لحد عندي.”

بعد دقايق قليلة…

رجع الضباب يغطي عينيه من جديد.

وراحت اللحظة.

لكن كان خلاص…

نطق اسمي.

ولحظة واحدة كانت كفاية تشفي وجع حملته جوايا أكتر من اتنين وستين سنة.

ومن اليوم ده…

بطلنا نحاول نرجع الماضي.

ما بقيتش أسأله إذا كان فاكر.

ولا أطلعلُه الخاتم.

كنت بس أقعد جنبه.

أقرأ له.

وأحيانًا يمسك إيدي من غير ما يعرف ليه.

وفي مرة سألني بهدوء:

“إنتي عشتي لوحدك؟”

ابتسمت.

وقلت:

“أوقات كتير كنت بحس بالوحدة.”

بص لي بحزن.

وقال:

“بسببي؟”

هزيت راسي.

وحكيت له عن الأطفال اللي ربيتهم، والمرضى اللي زرتهم، والناس اللي حاولت أهون عليهم الدنيا.

وقلت:

“الحب اللي كان جوايا ليك كان أكبر من إن قلب واحد يشيله.”

“علشان كده… وزعته على كل اللي احتاجوه.”

ضغط على صوابعي برفق.

وكأن قلبه فهم…

حتى لو عقله نسي.

بعد كام شهر…

رن تليفوني قبل الفجر.

كان يوسف.

وصوته مكسور.

قال:

“تعالي يا حاجة أمينة…”

“أظن اللحظة قربت.”

وصلت بسرعة.

كان أحمد نايم بهدوء.

ويوسف قاعد جنبه.

وعلى الشباك وردة حمرا واحدة.

قعدت على الناحية التانية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *