طوال ستين سنه
“أمينة.”
لكن ما كانش فيه أي علامة إنه افتكرني.
قعدت جنبه.
وفتحت الصندوق الأزرق.
بص للخاتم الفضة.
وقال بابتسامة بسيطة:
“خاتم جميل.”
يوسف كان هيقرب، لكنني رفعت إيدي ومنعته.
ما كنتش عايزة حد يحميني من الحقيقة.
سألته برقة:
“فاكر الشجرة الكبيرة اللي كنا بنقعد تحتها؟”
قطب جبينه.
قلت:
“فاكر الفستان الأصفر؟”
بدأت صوابعه تخبط بخفة على البطانية، وعرفت إنه اتوتر.
الممرضة قالت بهدوء:
“كفاية النهارده.”
خرجت للطرقة.
واسندت ضهري على الحيطة.
مش قادرة أقف.
مريم حضنتني بقوة.
همست وهي بتعيط:
“يا خالتي أمينة…”
قلت وأنا باصة قدامي:
“هو رجع…”
“بس الجزء اللي كان فاكرني… ما رجعش.”
يوسف كان بيمسح دموعه.
وبص لي باستغراب لما قلت:
“ينفع أجيله تاني؟”
قال بدهشة:
“بعد كل اللي حصل… لسه عايزة تشوفيه؟”
ابتسمت بحزن.
“أنا نفسي مش عارفة أنا عايزة إيه.”
“لكن عارفة إني لسه مش مستعدة أمشي.”
رجعت بعد يومين.
وبعدين رجعت مرتين الأسبوع اللي بعده.
ومع الوقت…
بطلت أطلع له الخاتم.
وبطلت أسأله إذا كان افتكرني.
كنت بقعد جنبه وبس.
ساعات يسمعني وأنا بقرأ.
وساعات ينام.
وفي يوم، ناداني باسم مراته.
الوجع كان كبير.
لكنني ما صححتلوش.
بص لي بإحراج وقال:
“أنا كل يوم بنسى ناس.”
“في دماغي… وفي الحقيقة.”
وفي زيارة تانية، كنت بقرأ له قصة.
قاطعني فجأة وقال:
“الراجل ده بيتكلم كتير.”
قفلت الكتاب وضحكت.
وقلت:
“إنت كمان اتكلمت ليلة كاملة.”
بص لي باستغراب.
“بجد؟”
ابتسمت.
“تحت الشجرة.”
سألني:
“وطلع الكلام جاب نتيجة؟”
ضحكت وسط دموعي.
وقلت:
“فضل عايش في قلبي أكتر من ستين سنة.”
ابتسم…
من غير ما يعرف ليه.
وفي يوم، يوسف وقفني في الممر.
وقال:
“اللي بيحصل ده بيوجعك يا حاجة أمينة.”
“يمكن الأفضل تقللي زياراتك.”
بصيت له.
وقلت:
“إنت اللي جبتني له… ودلوقتي عايزني أختفي؟”
قال وهو بيحاول يمسك دموعه:
“أنا فقدت أمي…”
“وأبويا بيموت قدام عيني.”
“ومش قادر أشوفك بتتكسري كل مرة بينساكي فيها.”
وقتها فهمته.
هو ما كانش بيبعدني.
هو كان خايف يخسر شخص تاني.
حطيت إيدي على إيده.
وقلت بهدوء:
“اطمن.”
“أنا مش هجبره يفتكر.”
“ولا هخليه يختار بين أمك وبيني.”
“أنا بس عايزة أقعد جنبه… في الوقت اللي باقي له من عمره.”
هز يوسف راسه ببطء.
وقال:
“حاضر.”
وبعدين ابتسم لأول مرة من أيام.
وقال:
“بس إنتي كمان… مش لازم تشيلي الحمل كله لوحدك.”