طوال ستين سنه
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
“وأحمد… هو أبويا.”
بصيت له من جديد.
المرة دي ما شفتش شبه أحمد وبس…
شفت ابنه.
هزيت راسي بعنف، وقلت:
“مستحيل… أحمد مات.”
رد بهدوء:
“الكل افتكر كده.”
“اتقال إنه مفقود… وبعد سنين أعلنوا وفاته.”
قلت وأنا دموعي بتنزل:
“أمه بنفسها جت بيتنا… وقالتلنا إنه راح ومش هيرجع تاني.”
فضل يوسف ساكت ثواني، وبعدها قال:
“وده اللي كانوا مصدقينه كلهم… لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.”
“يعني إيه الحقيقة كانت مختلفة؟”
أخذ يوسف نفسًا طويلًا وقال:
“أبويا عاش.”
“بعد الإصابة اللي اتعرض لها في الحرب، حصل لخبطة كبيرة في هويته، وسجلاته فضلت سنين طويلة غلط.”
“ولما اكتشفوا الحقيقة وصححوا أوراقه… كانت جدتي توفت، والبيت القديم اتباع، وما بقاش فيه أي حد يعرف يوصل لحضرتك.”
فضلت أبصله من غير ما أرمش.
أحمد…
كان عايش.
وأنا قضيت اتنين وستين سنة أبكي على راجل كنت فاكرة إنه مات…
وهو كان بيتنفس تحت نفس السما.
سألته وأنا صوتي كله رجفة:
“كان فين طول السنين دي؟”
بص يوسف ناحية بنت أختي مريم لحظة، وبعدها رجع بصلي.
وقال:
“أبويا اتصاب إصابة قوية في رأسه وقت الحرب.”
“الإصابة أثرت على ذاكرته، ولما كبر في السن أصيب بالخرف، وبقت الذكريات بتضيع منه أكتر.”
همست وأنا مش مصدقة:
“نسي… نسي وجودي؟”
هز راسه بحزن.
وقال:
“نسي أغلب حياته اللي كانت قبل الإصابة.”
ضحكة صغيرة خرجت مني غصب عني.
ضحكة كلها وجع.
إزاي العمر كله يضيع… بسبب ذكرى راحت من عقل إنسان؟
يوسف فتح ملف كان معاه، وحطه قدامي جنب الصندوق.
قلت وأنا ببص للأوراق:
“عرفت توصل لي إزاي؟”
قال:
“الصورة اللي كانت جوه الصندوق، وصفحة قديمة من كتاب المدرسة، هما اللي بدأوا الرحلة.”
“فضلت أدور لحد ما لقيت مقال بيتكلم عن شغلك التطوعي مع الأطفال.”
مريم اتكلمت بهدوء:
“ولما اتأكدت إن أوراقه كلها صحيحة… قلت له إنك كل سنة، في يوم ميلادك، بتروحي عند الشجرة اللي كنتوا بتقابلوا بعض تحتها.”
نزلت عيني على باقة الورد الأحمر.
كان النهارده عيد ميلاد أحمد.
وفجأة افتكرت كل الناس اللي كانوا بيسألوني طول السنين:
“ليه ما اتجوزتيش؟”
والإجابة عمرها ما اتغيرت.
لأني ما بطلتش أحب أحمد يوم واحد.
اتعرفنا على بعض وإحنا في المدرسة.
وكنا نقعد بالساعات تحت الشجرة، نحلم بالبيت اللي هنبنيه، والأولاد اللي هنربيهم، والعمر اللي هنقضيه سوا.