ابويا جوزني عرفي

اماني سيد

رجعت لمكتبي جوة، قعدت على الكرسي وأنا باخد نفسي بهدوء. بصيت للشهادات وفواتير الشغل والتصميمات اللي مالية المكتب، وافتكرت اليوم اللي خرجت فيه بشنطة هدوم قديمة ومكنش معايا تمن تذكرة أتوبيس. الدنيا دارت، والضعيفة اللي كانت بتستخبى في ركن الأوضة عشان متهانش، بقت سيدة أعمال ليها شنة ورنة والكل بيعملها حساب.

الباب خبط، ودخلت “أم بطرس” وهي شايابلي فنجان القهوة اللي متعودة تعملهولي بإيديها، ابتسمت وقالتلي بحنية: “شوفتهم وهما طالعين زي الفراخ المبلولة.. قلبك ارتاح يا بنتي؟”

بصيتلها وابتسمت ابتسامة صافية وقولتلها: “ارتاح من زمان يا خالتي، بس النهاردة حسيت إن الصفحة اتقفلت بجد ومبقاش ليها وجود في حياتي.. مش شايلة منهم غل، بس عمري ما هسمح لحد يرجعني خطوة واحدة لورا.”

قررت بعدها إني أوسع مشروعي، مكنش طموحي يقف عند الأتيليه بس؛ فتحت خط إنتاج لتصميم فساتين الزفاف وبقيت بشغل معايا بنات كتير مروا بظروف صعبة، بنات اتكسروا أو اتظلموا، عشان أعلمهم صنعة تخليهم يقفوا على رجليهم وميتحوجوش لمخلوق ولا يتذلوا عشان لقمة عيش أو حماية مزيفة.

أما أبويا، فكان بيحاول من وقت للتاني يبعت وسايط وناس عشان أرجع أزوره وأصرف عليه، لكن كنت بكتفي إني أبعتله مبلغ شهري يضمنله أكل وعلاج من غير ما أشوف وشه.. مكنتش بعامله بأصله، كنت بعامله بأصلي أنا، بس الحدود اللي بنيتها بيني وبين الماضي بقت حديد ميتكسرش.

بقيت كل ما أدخل المحل وأشوف عروسة صغيرة داخلة تختار فستان فرحها، أبتسم وأفكر في نفسي؛ الفستان مش مجرد قماش وطرحة بتفرح بيهم البنت، القيمة الحقيقية هي كرامتها وقوتها، وإنها تدخل أي بيت وهي مصلوبة الطول وليها كيان.. والدرس اللي دفعته من عمري تلت سنين ذل، طلع هو أعظم درس بنى الست اللي أنا عليها النهاردة.

 

 

 

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *