حفلة تخرجي
صافي هاني
تامر كان قاعد على الكرسي ورجله ملفوفة برباط ضاغط، باصص للطبق ومبيتكلمش، هيبته اللي كان بيتباها بيها بمفاتيح العربية راحت، ونظرة الغرور اختفت تماماً.
أبويا وقف بسرعة وقال بصوت ناعم ومختلف تماماً عن نبرته القاسية بتاعة إمبارح: “إيمان.. أنا جهزت نفسي عشان أجي معاكي. عيب رجل أعمال كبير زي الحج إسماعيل يطلب يشوفك وأبوكي ميكونش واقف جنبك ورأسك مرفوعة بيه. أنا غفلت عنك شوية يا بنتي، بس الأب بيظل أب، وأنا سندك الحقيقي.”
بصيت للبيت، للسفرة اللي عمرها ما اتعملت عشاني، وللبدلة اللي اتنفض عنها التراب مخصوص عشان رجل أعمال مش عشاني أنا.
رديت بأعلى درجات الهدوء: “شكراً يا بابا، بس الحج إسماعيل طالبني في اجتماع شغل رسمي يخص المنحة والتكريم، والشركات الكبيرة دي مبتحبش اللمة والمجاملات. السواق بتاع المؤسسة تحت مستنيني في العربية.”
أمي قربت وهي حاطة إيدها على قلبها: “طب خدي أخوكي معاكي يا إيمان! يمكن الحج إسماعيل ده يعرف ناس في أندية كبيرة، أو يديله فرصة في شركة من شركاته.. أخوكي اتدمر إمبارح والنادي طرده بعد الخسارة!”
بصيت لتامر، اللي رفع عينه في عيني لأول مرة وكان فيها رجاء مكشوف، هو اللي كان بيدور مفاتيح العربية إمبارح وبيقولي ‘الكورة هي اللي بتأكل عيش’.
قلتله بنبرة هادية بس ثقيلة: “تامر حريف كورة، والكورة هي المستقبل زي ما قلتوا.. خليه يكمل في طريقه، الشغل في المؤسسات دي محتاج الناس اللي طحنت نفسها سنين مش اللي مستنيين واسطة.”
نزلت وسبتهم واقفين يتفرجوا عليا من الشباك وأنا بركب عربية سوداء فخمة كانت مستنياني تحت العمارة. الجيران اللي كانوا زمان بيبصولي بعطف أو بتتجاهلني وجودي، كانوا واقفين في البلكونات بيشاوروا ويتهامسوا بذهول.
وصلت البرج الإداري لشركة المنشاوي. المبنى كان عملاق والأمن والخدمات على أعلى مستوى. دخلت مكتب الحج إسماعيل، وكان قاعد معاه أربعة من كبار المديرين والمسؤولين التنفيذيين.
أول ما دخلت، الحج إسماعيل وقف واستقبلني بترحاب شديد: “أهلاً بشرف وواجهة مؤسستنا.. الدكتورة إيمان نصار.”
الكلمة هزتني من جوة. قعدت، وبدأ الاجتماع. العرض مكنش مجرد عقد عمل عادي، كان استلام منصب معيدة ومطورة مناهج في الأكاديمية الجديدة اللي بتأسسها الشركة، مع سفر لمدة سنتين لإنجلترا لتحضير الماجستير والدكتوراه بنفقة كاملة، وراتب ماهوش مجرد ‘أكل عيش’ ده كان يضمنلي استقلال مالي تام وحياة كعالمة وباحثة.