حفلة تخرجي

صافي هاني

أمي صرخت بخضة: “مش هترجعي؟! هتروحي فين يا بنتي؟ الناس تقول علينا إيه؟!”

طلعت من شنطتي ورقة التكليف ومفتاح شقة صغيرة تابعة لمؤسسة المنشاوي في حي راقي قريبة من الأكاديمية: “الشركة وفرتلي سكن خاص بالباحثين والمطورين لغاية ما أسافر إنجلترا كمان شهرين. أنا أديتكم واجبي المالي كأبنة، بس حقكم عليا في المشاعر والتحكم في حياتي انتهى يوم ما سبتوني لوحدي في مدرج التخرج.”

عمي فتح الباب ودخل وهو بيقول: “عيب يا إيمان! تصرفات البنات دي متصحش عندنا، أبوكي ولي أمرك والكلمة كلمته!”

لفت لعمي وقلتله بجمود: “ولائي وكلمتي للناس اللي وقفوا معايا وأنا مباكلش عشان أوفر ثمن الملازم.. عم محمد بتاع المكتبة، وأبلة نادية، والحج إسماعيل. هما دول اللي كانوا عيلتي وقت ما الكل كان مستني أنكسر.”

أبويا رفع إيده بتعب وقال لعمي: “سيبها يا توفيق.. سيبها.. إحنا اللي زرعنا الجفاء ده بإيدنا يوم ما فضلنا الكورة والأوهام على تعبها وحلمها.”

سحبت شنطتي، وبصيت لأمي اللي كانت بتبكي بحرقة، ولأبويا اللي عينه ملهاش عين تبصلي، ولتامر اللي أدرك إن عصر الدلع والسيطرة بدون مجهود انتهى للأبد.

خرجت من المستشفى، والشمس كانت ساطعة ومالية الشارع. ركبت عربيتي، ورنيت على أبلة نادية وعلى عم محمد مسؤول المكتبة، وعزمتهم هما الاثنين على الغداء في أكبر مطعم في القاهرة عشان أفرّحهم بالمنحة وبعقدي الجديد.

وأنا قاعدة معاهم في المطعم وبنضحك، تليفوني رن برقم غريب.. رقم منسق المنح الدولية في مطار القاهرة، وبيبلغني إن الإجراءات اتسرعت وإن موعد سفري لإنجلترا اتحدد ليلة الجمعة الجاية.. بس المفاجأة الكبيرة كانت في الإيميل اللي وصلني بعدها بدقيقة من إدارة الجامعة في لندن!

فتحت الإيميل بفضول، وإيدي بتتحرك على شاشة الموبايل ببطء. الكلام كان بالإنجليزي، ومكتوب بأسلوب رسمي جداً من مكتب رئيس أبحاث التنمية والتعليم العالي بجامعة أكسفورد.

الإيميل مكنش مجرد تأكيد للقبول في الماجستير.. الإيميل كان بيبلغني إن كلمتي في حفل التخرج، بعد ما اترجمت للإنجليزية واستخدمت في تقرير عن “العزيمة والتعليم في الشرق الأوسط”، تم اختيارها لتكون الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الدولي للشباب وصناع القرار في لندن، وإنني سأمثل شباب مصر والعالم العربي كمتحدثة رئيسية، وبحضور سفراء وشخصيات دولية رفيعة المستوى!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *