وقفت شابه عربية مكبلة اليدين
في اليوم التالي، دخلت فالنتينا قاعة المحكمة مرتدية بدلة سوداء، وقد تحطمت الأصفاد الذهنية التي كانت تكبلها. لم تعد متهمة، بل أصبحت محترفة.
ساد صمت مهيب. في الصف الأول جلس الأساتذة العشرة، مستعدين للتشريح العلمي.
تقدم الأستاذ أندريس فياريال، قائد الفريق، ونظر إليها باستهزاء قائلاً: «سنبدأ بالمندرينية. نص طبي عن الإجراءات القلبية الوعائية». وناولها الورقة.
تنفست فالنتينا بعمق. لحظة سكون.
قرأت النص، وبنطق دقيق ونغمات صحيحة، لم تترجم فقط، بل شرحت الإجراء وأضافت سياقه الثقافي، وقالت بالمندرينية: «اللغة ليست كلمات فحسب، بل روح».
هزّت الأستاذة يوكو تاناكا رأسها بإعجاب وهمست: «إتقان متحدثة أصلية».
ثم جاء التحدي الألماني. قدم لها الأستاذ هانس مولر عقدًا قانونيًا معقدًا بلهجة متعمدة الصعوبة. ترجمته فالنتينا، بل وأشارت إلى غموض قانوني قد يؤدي إلى دعوى قضائية، قائلة: «تعلمت ذلك من عائلة شنايدر. الألمانية القانونية لغز، كل كلمة فيه لها وزن». بدا مولر مذهولًا.
أما التحدي العربي، فقدمت الأستاذة أميرة حسن نصًا فلسفيًا قديمًا بالعربية الكلاسيكية. تلت فالنتينا النص بصوت ذي إيقاع موسيقي وقالت: «العربية ليست لغة فحسب، بل رؤية للكون، تتنفس شعرًا». نهضت الأستاذة حسن متأثرة وقالت: «هذا يتطلب سنوات من الدراسة العميقة».
توالت اللغات واحدة تلو الأخرى: الروسية برمزيتها الأدبية، والفرنسية بمصطلحات الطهي والنبيذ، والإيطالية مع الأوبرا والموسيقى. في كل مرة، لم تكن فالنتينا تُظهر معرفة فحسب، بل علاقة إنسانية عميقة باللغة.
نظر فياريال إليها بيأس وأخرج ورقته الأخيرة: العبرية. قال مبتسمًا بثقة: «هذا نص فلسفي قديم عن الأخلاق والعدالة، بالغ التعقيد».
أمسكت فالنتينا بالنص، واتسعت عيناها، لا لصعوبته، بل للتعرف عليه.
قالت بهدوء أخطر من أي صراخ: «أستاذ فياريال، أعرف هذا النص. أنا من ترجمته».
—
ساد صمت مدوٍّ.
قالت: «قبل ست سنوات، ترجمت هذا النص من العبرية القديمة إلى الإسبانية الحديثة لعميل مجهول، ومولت دراستي الجامعية بذلك. وأنت نشرت بعد ذلك بأربع سنوات بحثًا أكاديميًا مستخدمًا ترجمتي حرفيًا دون أن تنسبها إليّ».
شحُب وجه فياريال وتلعثم: «هذا هراء!».
نهضت باتريسيا ميندوزا قائلة: «سيدي القاضي، نطالب بالاطلاع فورًا على الملفات الرقمية الخاصة بموكلتي والموجودة لدى الادعاء. إن صحّ ما تقول، فهذا لا يثبت كفاءتها فحسب، بل يكشف سرقة علمية من قِبل مقيم قضائي».