وقفت شابه عربية مكبلة اليدين
كان القاضي ميتشل، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة على منصة القضاء، يغلي غضبًا مشروعًا لا تشوبه شبهة التسرّع أو الغرور. لم يكن غضبه نابعًا من تحدّي هيبته، بل من إدراكه المتأخر لحقيقة صادمة: لقد كان شاهدًا، وربما شريكًا بصمته، في ظلمٍ كاد أن يسحق موهبة نادرة. رفع يده بحزم وأمر بإحضار الحاسوب الخاص بالأدلة، وصوته يحمل نبرة لا تقبل الجدل.
لم تمر سوى دقائق حتى ظهرت الوثائق على الشاشة الكبيرة أمام الجميع. ملفات قديمة، مؤرخة بدقة، نسخ أولية لترجمة فالنتينا تعود إلى ست سنوات مضت، تحمل ملاحظاتها الهامشية، وتصحيحاتها الدقيقة، وأسلوبها اللغوي الفريد. وما إن قورنت بتلك الصفحات المنشورة باسم فياريال حتى بدا التطابق فاضحًا، لا يقبل تأويلاً ولا دفاعًا. الكلمات ذاتها، التراكيب نفسها، وحتى الأخطاء الأسلوبية الصغيرة التي صححتها لاحقًا كانت حاضرة هناك، وكأن الزمن قد انكشف فجأة على خيانة علمية مكتملة الأركان.
ساد القاعة صمت ثقيل، أشبه بصمت ما قبل العاصفة. لم يعد أحد يهمس، ولم تعد عدسات الكاميرات تومض؛ الجميع كان مسمّرًا في مكانه أمام الحقيقة العارية.
التفت القاضي ميتشل ببطء نحو بقية الأساتذة، وعيناه تجوبان وجوههم واحدًا واحدًا، ثم سأل بصوت ثابت لكنه مشحون بالدلالة:
«هل لدى أيٍّ منكم، بعد ما رأيتم وسمعتم، أدنى شك في كفاءة الآنسة رييس أو في صدق ما ادّعته؟»
وقفت الأستاذة أميرة حسن، وقد بدا التأثر واضحًا في ملامحها، لكنها تماسكت وتحدثت بوقار العلماء الحقيقيين، أولئك الذين يعرفون قيمة المعرفة حين يرونها متجسدة أمامهم. قالت:
«سيدي القاضي، خلال عشرين عامًا من التدريس والبحث الأكاديمي، قابلت عشرات المتخصصين وحملة الشهادات العليا، لكنني لم أرَ قط إتقانًا حيًّا كهذا. هذه الشابة لا تحفظ اللغات ولا ترددها، إنها تعيش داخلها، تفهم روحها وسياقها وتاريخها. ما شهدناه اليوم ليس مهارة مكتسبة فحسب، بل موهبة نادرة صقلتها التجربة والمعاناة».
انحنى بعض الأساتذة برؤوسهم موافقة، فيما بقي آخرون عاجزين عن إخفاء ذهولهم.
نهض المدعي العام برادفورد ببطء، وقد اختفت من ملامحه تلك الثقة المتعالية التي دخل بها القاعة في الصباح. بدا كمن خسر معركة لم يدرك منذ البداية أنه يقاتل في الجانب الخاطئ منها. قال بصوت خافت لكنه واضح: