في ليلة زفافي
وقفت عند الباب، وقلبي يدق بعنف، ثم قلت بصوت متردد: “تحب أساعدك تطلع على السرير؟”.
رد دون أن يلتفت: “مش محتاج مساعدة”.
حاول أن يتحرك وحده، مد يده إلى مسند الكرسي، لكن الكرسي مال فجأة، فاندفعت نحوه دون تفكير وصرخت: “حاسب!”.
في ثانية واحدة، سقطنا معًا على الأرض.
وجدت نفسي فوقه تقريبًا، وجهي قريب من وجهه، ويدي على صدره، لكنه لم يكن جسد رجل عاجز كما تخيلت، كان قويًا، متماسكًا، ويداه أمسكتاني بسرعة وثبات لا يشبهان حركة شخص مشلول.
ثم شعرت بساقيه.
كانتا قويتين.
مشدودتين.
حيّتين.
تجمدت مكاني، ورفعت عيني إليه ببطء، وقلت بصوت بالكاد خرج من حلقي: “إنت… إنت تقدر تتحرك؟”.
ظل صامتًا لحظة طويلة، ثم أبعدني برفق، ووضع يديه على الأرض، ووقف.
وقف أمامي على قدميه.
العالم كله اهتز في عيني، الرجل الذي تزوجته وأنا أظنه مشلولًا كان واقفًا أمامي كأي رجل طبيعي، بملامح هادئة تخفي عاصفة كاملة خلفها.
قلت وأنا أتراجع خطوة: “كنت بتمثل؟ كل السنين دي؟ ليه؟”.
ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح وقال: “لأن الكرسي كان الطريقة الوحيدة أعرف بيها مين طمعان في فلوسي ومين هيشوفني بني آدم”.
نظرت إليه بذهول، فأكمل: “تلات ستات قبلك قالوا إنهم بيحبوني، وكل واحدة اختفت أول ما شافت الكرسي… وبعدين أمك جات تعرض عليّ صفقة، بنتها قصاد إسقاط ديون أبوها”.
الكلمات دخلت صدري كالسكاكين، ليس لأنه كشف تمثيله فقط، بل لأنه وضعني في نفس خانة الصفقة التي كنت أكرهها.
قلت له بمرارة: “يعني أنت وافقت عشان تختبرني؟”.
قال ببرود يخفي ألمًا: “وافقت عشان أعرف هل أنتِ زيهم… ولا زيّي، ضحية حد باعها”.
لم أستطع الرد.
كنت غاضبة منه، من أمي، من أبي، من نفسي، من العالم كله، لكن جزءًا صغيرًا داخلي كان يعرف أنني وهو وقعنا في شبكة واحدة، شبكة طمع الكبار وخوفهم وحساباتهم.
في تلك الليلة، لم يقترب مني، ولم يحاول أن يشرح أكثر، فقط عاد إلى كرسيه قبل أن يفتح أحد الباب، وقال: “انسي اللي شفتيه… لو حياتك تهمك”.
جلست حتى الفجر على طرف السرير، فستاني الأبيض حولي كأنه شاهد على جر*يمة، ودموعي تنزل بلا صوت، وأنا لا أعرف هل أنا زوجة رجل مريض، أم شاهدة على كذبة خطيرة.
مرت الأيام كأنها عقاب بطيء، مالك قليل الكلام، يأكل وحده، يعمل في مكتبه ساعات طويلة، وينام في غرفة أخرى، وأمام الخدم والعائلة يستمر في تمثيل الشلل بإتقان مرعب.