قالوا إن بنتي ماتت في كوريا

فأقترب منها فورًا.

أرفع الوسادة خلف ظهرها.

وأقول لها كما كنت أقول وهي صغيرة

بهدوء يا ماما واحدة واحدة

فتبتسم بحزن.

ثم تبكي.

وكان بكاؤها يؤلمني أكثر من مرضها.

لأن فريدة لم تكن تبكي فقط بسبب الألم

كانت تبكي لأنها أدركت كم سنة ضاعت منها وهي محبوسة داخل خوف لا ينتهي.

في المستشفى أصبحت أيامي تشبه بعضها.

أستيقظ قبل الفجر.

أعدّ لها الحساء الخفيف.

أمشّط شعرها ببطء.

وأجلس قرب النافذة أراقب الثلج وهو يغطي شوارع سيول الباردة.

أما الأطفال

فبدأوا يقتربون مني يومًا بعد يوم.

في البداية كانوا صامتين.

يتحركون داخل الغرفة بحذر، كأنهم يخشون أن يغضب أحد فجأة.

لكن بعد اختفاء السيدة تشوي

بدأ شيء يتغير داخلهم.

لم يعودوا يقفزون بخوف كلما فُتح الباب.

ولم تعد ملك تخفي الطعام داخل حقيبتها الصغيرة.

اكتشفت ذلك بالصدفة.

وجدت قطع خبز يابسة ومناديل مليئة بالبسكويت داخل حقيبتها.

سألتها بلطف

لماذا تخبئين الطعام يا حبيبتي؟

ارتبكت فورًا.

ثم همست

أخاف ألا نجد طعامًا إذا غضبت جدتي

شعرت بشيء يعتصر قلبي.

طفلة صغيرة تعيش وكأنها تستعد للمجاعة في أي لحظة.

احتضنتها بقوة.

وقلت

لن يجوع أحد بعد اليوم أعدك.

في تلك الفترة بدأت الشرطة تحقق رسميًا مع السيدة تشوي.

رأيتها مرة واحدة فقط بعد توقيفها.

كانت تمر في ممر المحكمة بين شرطيين.

بمعطفها الأنيق نفسه.

ورأسها مرفوع كعادتها.

لكن لأول مرة

لم يكن أحد يخاف منها.

حتى الأطفال.

وقفوا ينظرون إليها بصمت.

ثم اختبأ حمزة خلفي تلقائيًا.

أما ملك

فقط ظلّت تحدق فيها طويلًا.

كأنها تحاول فهم كيف يمكن لشخص كان يملأ البيت رعبًا أن يبدو الآن عاديًا إلى هذا الحد.

حين اختفت السيدة تشوي داخل غرفة التحقيق

تنفست ملك لأول مرة براحة حقيقية.

سمعتها تهمس بالعربية

راحت؟

أومأت لها.

فأغمضت عينيها وكأن حملًا ثقيلًا انزاح أخيرًا عن صدرها.

أما فريدة

فكانت تتعافى ببطء شديد.

تعلمت كيف تجلس وحدها.

ثم كيف تمشي خطوات قصيرة.

ثم كيف تأكل دون أن ترتجف يدها.

وفي كل خطوة كانت تنظر إليّ وكأنها تستمد مني الشجاعة.

ذات صباح

كنت أساعدها على تمشيط شعرها الجديد القصير.

فقالت فجأة

نسيت شكل نفسي القديمة

توقفت يدي.

ثم قلت بهدوء

المهم أنكِ ما زلتِ هنا.

نظرت إليّ طويلًا.

ثم انزلقت دمعة صامتة على خدها.

في أحد الأيام، أخذتنا موظفة السفارة الأردنية، إيمان، إلى سوق غوانغجانغ.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *