قالوا إن بنتي ماتت في كوريا

كان المكان مزدحمًا بالبخار والروائح الغريبة.

باعة ينادون بلغات لا أفهمها.

وأطعمة لم أرها في حياتي.

أما الأطفال

فكانوا يركضون حولي بحماس للمرة الأولى.

ضحكاتهم كانت جديدة عليّ.

كأنني أسمع طفولتهم الحقيقية لأول مرة.

اشترينا بعض الخضار.

ولحمًا.

وأرزًا.

وحاولت أن أجد أي شيء يشبه مكونات المنسف.

ضحكت إيمان وهي تراني أتذمر من كل شيء.

قلت لها

كيف يعيش الناس بلا جميد؟

ضحكت أكثر.

لكنني كنت أتكلم بجدية كاملة.

وفي تلك

 

 

—

 

 

الليلة

طبخت المنسف داخل الشقة الصغيرة التي استأجرناها قرب نهر الهان.

لم يكن الطعم مثاليًا.

اللبن مختلف.

والأرز مختلف.

وحتى رائحة المطبخ لم تكن تشبه بيتنا في عمّان.

لكن حين امتلأت الغرفة بالرائحة

توقفت فريدة فجأة.

وضعت يدها فوق صدرها وهمست

ريحة البيت

ثم بدأت تبكي.

أما ملك فاقتربت من الطاولة بحذر.

تذوقت أول لقمة.

ثم اتسعت عيناها بدهشة.

وقالت بالعربية الثقيلة

طعام العيد؟

ضحكت وأنا أبكي.

نعم يا روحي طعام العيد.

في تلك الليلة

جلسنا جميعًا حول الطاولة الصغيرة.

فريدة.

وأطفالها الثلاثة.

وأصوات عربية وكورية تختلط داخل الغرفة.

كان حمزة يطلب المزيد بالكورية.

وملك تحاول تكرار الكلمات العربية خلفي.

أما عمر فكان يضحك لأن المنسف حار قليلًا.

ولأول مرة منذ سنوات

شعرت أن البيت عاد.

ليس المكان

بل الإحساس نفسه.

الأمان.

الدفء.

والعائلة التي تأكل معًا دون خوف.

بدأ الأطفال بعد ذلك يتعلمون العربية بسرعة.

كنت أعلمهم الكلمات البسيطة كل يوم.

ماء.

باب.

قمر.

جدتي.

وكانوا يضحكون كلما أخطأ أحدهم بالنطق.

حتى فريدة بدأت تستعيد شيئًا من نفسها وهي تراهم يتحدثون بلغتها.

وذات مساء

سألتني ملك فجأة

جدتي نحن كوريون أم عرب؟

ساد الصمت للحظة.

حتى فريدة رفعت عينيها نحوي تنتظر الإجابة.

فنظرت إلى الأطفال الثلاثة.

ثم قلت بهدوء

أنتم الاثنان معًا.

نظروا إليّ بعدم فهم.

فابتسمت ووضعت يدي فوق صدر ملك الصغيرة.

القلب يستطيع أن يحمل أكثر من بيت وأكثر من لغة وأكثر من حب.

ابتسمت فريدة لأول مرة منذ شهور.

ابتسامة حقيقية.

أما هيون وو

فلم يعد يظهر إلا نادرًا.

حصل على زيارات مراقبة للأطفال أثناء استمرار التحقيقات.

وكان يأتي دائمًا بوجه مرهق ورجل مكسور.

الأطفال لم يعودوا يركضون نحوه كما كانوا سابقًا.

حتى حمزة صار يتردد قبل أن يمسك يده.

وفي أحد الأيام

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *