كل يوم حد
وقتها ابتسمت.
لأن المبلغ نفسه ماكانش مهم.
المهم إن الإنسان اللي قدامي اتغير.
وفي آخر زيارة لحماتي قبل ما تسافر عند بنت أختها فترة طويلة، قعدت معايا لوحدنا.
وقالت وهي بتتنهد:
“عارفة يا نيرمين؟ أنا زمان كنت فاكرة إنك معقدة الأمور.”
بصيت لها وسكت.
كملت: “بس طلع عندك حق. البيت اللي ملهوش حدود، بيضيع.”
كانت أول مرة أسمع منها اعتراف شبه ده.
وأول مرة أحس إن السنين اللي فاتت ما راحتش هدر.
لأن المشكلة عمرها ما كانت ثلاجة فاضية.
كانت حدود فاضية.
ولما الحدود اتبنت، العلاقات نفسها بقت أقوى وأوضح وأريح للجميع.روحت لوحدي اعمل سونار اطمن عالبيبي بعد رفض جوزي يجي معايا للمره اللي مبقتش اعدها لقيته داخل يجري ويصرخ ومعاه واحده ويقول الحقوني مراتي بتولد
كانت نورسين قاعدة على طرف السرير، إيديها ماسكة طرف طرحتها بعصبية، وعينيها معلقة في الساعة اللي فوق التسريحة. عقاربها بتتحرك ببطء يجنّن، ومحمود قاعد على الكرسي قدام التلفزيون، ماسك الموبايل، سنانه بتعض في شفايفه من غير ما يحس.
قالت له للمرة يمكن العاشرة في اليوم ده:
– “محمود، عندي سونار النهاردة الساعة ٦… ما تنساش.”
من غير ما يرفع عينه من على الشاشة، رد بنبرة باينة فيها البرود:
– “ما قولنا ما اقدرش أنزل بدري من الشغل، روحي مع ماما.”
سكتت ثانية، بلعت غصّة في حلقها:
– “ماما عند خالتي في المستشفى، مفيش غيرك.”
تنهد، وزفر نفس طويل كأنه متضايق من مجرد النقاش:
– “يا بنتي ده كشف روتيني، مش كل سونار لازم أكون معاكي… ما تكبّريش الموضوع.”
الكلمات دخلت قلبها زي سكينة.
هو مش فاهم إن كل مرة بتروح فيها لوحدها بتحس إنها شايلة الدنيا كلها على كتافها؟
مش فاهم إن ده أول طفل؟ وإن كل دقيقة بتعدّي وهي مش مطمّنة بتبقى جرح جديد؟
قامت من على السرير بسرعة، دخلت الحمّام تغسل وشها عشان تخبي دمعتين نزلوا غصب عنها. وهي قدام المراية شافت نفسها: وشها شاحب، عينيها منتفخة شوية من قلة النوم، وبطنها اللي بدأت تكبر وتعلن عن وجود حد جديد في حياتهم، حد المفروض يكون سبب قربهم مش بعدهم.
تمتمت لنفسها:
– “إيه اللي حصل بينا يا محمود؟”
—
من أول ما اتجوزوا، محمود كان حنين، بيخاف عليها من الهوا، يزعل لو اتأخرت في الرد على تليفونه، يسيب شغله ويروح لها لو بس قالت “مش مظبوطة”.