تالت يوم بعد دفن ابويا

صابرين محمد

مد إيده ورمى الورقة جوه الصندوق تاني وقفل الغطا بإيده وهو بيقول لي قدام الناس كلها ومن غير حتى ما يبص في وشي:

اتفضلي الصندوق ده بكل اللي فيه حلال عليكي الصور والذكريات والورق القديم ده كله بتاعك أنا ماليش فيه. أنا اللي يهمني البيت وبس.

مكنتش قادرة أرد مديت إيدي وخدت الصندوق وضميته لحضني كأني بضم أبويا للمرة الأخيرة.

مكنتش شايفة ساعة قديمة ولا شوية صور باهتة كنت شايفة عمر كامل عاشه الراجل اللي رباني وكل حاجة لمستها إيده.

أما أخويا، فلف ناحية السمسار وهو بينفض التراب من على هدومه وقال بابتسامة كلها طمع:

يلا بينا ضيعنا وقت كفاية. ندخل نكمل البيع.

السمسار هز راسه ومشى وراه ناحية باب البيت.

وفي اللحظة اللي كان فيها هيعدي العتبة اتسمع صوت فرامل عربيات واقفة قدام البيت.

مش عربية ولا اتنين كان موكب كامل.

أربع عربيات سوداء فخمة دخلوا الشارع واحدة ورا التانية، لحد ما وقفوا قدام بيتنا بالظبط.

الشارع كله سكت حتى العيال اللي كانت بتجري وقفت مكانها.

أبواب العربيات اتفتحت في وقت واحد تقريبًا.

نزل منها رجال لابسين بدل رسمية وبعدهم راجل كبير في السن، شعره كله أبيض، لكنه كان ماشي بخطوات ثابتة ومعاه محامٍ شايل حقيبة جلد.

بص حوالين البيت كأنه بيدور على حاجة غايبة عنه من سنين طويلة.

وبعدين سأل بصوت هادئ: لو سمحتم ده بيت المرحوم الحاج محمود عبدالعال؟

قلبي انقبض قلت وأنا مترددة: أيوه بس حضرتك مين؟

بصلي بحزن وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون بلغنا خبر وفاته، لكن للأسف وصلنا متأخر.

أخويا اتقدم ناحيته بسرعة وقال وهو بيحاول يفهم:

حضرتك تعرف أبويا؟

الراجل هز راسه وقال:

أنا معرفتهوش شخصيًا لكن أبويا فضل يذكر اسمه طول عمره.

سكت لحظة وبعدين كمل:

إحنا بندور على البيت ده من سنين.

الناس بدأت تبص لبعضها.

والسمسار نزل من على عتبة الباب.

أما أخويا، فابتسم ابتسامة صغيرة واضح إنه افتكر إنهم زباين جداد، أو ناس جاية تعرض عليه سعر أعلى.

قال بثقة:

خير يا أفندم؟

لكن الرجل الكبير فضل يبص في وشوشنا واحدًا واحدًا وكأنه بيدور على حد يعرفه، قبل ما ياخد نفسًا طويلًا ويقول بهدوء:

اسمحوا لي أسألكم سؤال يمكن يكون غريب هو المرحوم الحاج محمود ساب بعد وفاته أي ورقة قديمة وصل دين مكتوب عليه تاريخ أربعة عشر يوليو سنة ألف وتسعمية وسبعين؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *