تالت يوم بعد دفن ابويا

صابرين محمد

في اللحظة دي حسيت إن أبويا لسه مدفون من يومين وأخويا بدأ يقسم تركته وهو لسه ريحة التراب على هدومنا.

رفضت وقلت له بمنتهى الحسم البيت ده مش هيتباع.

من يومها وهو بقى كل يوم يدخل يزن على دماغي ، مرة بالترغيب ومرة بالتهديد ومرة يقولي إني بنت ومالييش لازمة بيت لوحدي وإن مصيري أتجوز وأمشي ومرة يقولي إن الناس كلها هتضحك عليه لو فضل قاعد في الإيجار والبيت مقفول.

لكن مهما قال كنت برفض. لحد ما صحيت في صباح اليوم التالت ولقيته داخل البيت ومعاه سمسار ومن غير حتى ما يبص في وشي قال للراجل:

اتفضل شوف البيت وإن شاء الله نخلص البيع النهارده. كنت لسه هتكلم وأزعق وأطرده بره لكن السمسار صرخ أول ما قرب من الباب وقال بصوت متقطع يا ساتر يا رب

رفعت عيني بسرعة شوفت ثعبانًا ضخمًا ممدد على عتبة البيت ، رافع راسه في هدوء غريب ، ساكن في مكانه

وفي أقل من دقيقة كان أهل الشارع كلهم واقفين قدام بيتنا واحد يقرأ آية الكرسي وواحد يطلب من التاني يجيب عصاية والتالت يزعق محدش يقرب.

أما أخويا فكان واقف والغضب مولع في عينيه ، لأن السمسار رفض يدخل خطوة واحدة والبيع كله بقى مهدد يضيع من بين إيده. فجأة خطف عصاية طويلة من جنب السور وقال وهو بيجز على سنانه مش حتت تعبان هو اللي هيوقف حالي؟! وبعدها أخويا رفع العصاية وضرب الأرض قدام الباب عشان يطرد الثعبان

والثعبان زحف بعيد فعلًا، لكن أول ضربة نزلت على العتبة طلع صوت غريب مش صوت أسمنت ولا صوت طوب كان صوت معدن مستخبي تحت الأرض. الصوت ده خلى أخويا يجمد مكانه والعصاية تقع من إيده من غير ما يحس والسمسار بص له باستغراب وهو بيقول: استنى في حاجة تحت العتبة دي.

أما أنا، فحسيت إن قلبي هيطلع من صدري لأن الصوت ده رجعني للحظة عمري ما نسيتها آخر ليلة قعدت فيها جنب أبويا على السرير قبل ما يغمض عينه للأبد. وقتها كان تعبان أوي وصوته خارج بالعافية، لكنه شد على إيدي وبصلي بنظرة عمري ما شوفتها في عينه قبل كده وقال بهدوء: يا هناء أوعي تسترخصي أي حاجة أسيبها بعد ما أموت، حتى لو الناس كلها قالت مالهاش أي قيمة وبعدها سكت وبعد ساعات قليلة، كان بيسلم الروح وهو بيبص في وشي.

فضلت أبص للعتبة وأنا جسمي كله بيرتعش وحسيت لأول مرة إن الجملة اللي قالها أبويا قبل ما يموت يمكن ماكنتش مجرد نصيحة يمكن كان يقصد حاجة أنا لسه مفهمتهاش.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *