تالت يوم بعد دفن ابويا
صابرين محمد
أبويا فضل طول عمره يقول: لو لقيتوا الحاج محمود، أو ولاده من بعده ردوا الدين ومتنسوش الجميل.
ثم فتح المحامي ورقة تانية وقال:
وقبل وفاته، كتب وصية موثقة، أوصى فيها إن لو وصل الدين الأصلي فضل محفوظ، يبقى يتم رد الدين مع مكافأة كبيرة، تقديرًا لأمانة الرجل اللي احتفظ بالورقة كل السنين دي ومطالبش بحقه.
ثم رفع عينه وقال بصوت ثابت سمعه كل اللي واقفين:
وبناءً على الوصية فإن المستحق لورثة المرحوم الحاج محمود اليوم ليس خمسة آلاف جنيه وإنما مائة مليون جنيه كاملة.
الجملة نزلت على الشارع كله كأنها صاعقة شقت السما.
واحد شهق وهو حاطط إيده على قلبه.
وواحد قال بصوت متقطع:
لا إله إلا الله…
والسمسار نفسه رجع خطوتين لورا وهو فاتح بقه ومش قادر يستوعب اللي سمعه.
أما أخويا…فشفت اللون بينسحب من وشه واحدة واحدة، كأنه اتسحب منه الدم كله.
بص لوصل الدين…وبص للصندوق…وبعدين بص لي أنا. وفجأة…شوفت الرعب الحقيقي في عينيه.
افتكر…افتكر إنه من أقل من خمس دقايق وقدام أهل البلد كلهم، كان بيضحك وهو بيرمي الصندوق في حضني ويقول بمنتهى الاستهانة:
خدي الصندوق بكل اللي فيه حلال عليكي الصور والورق القديم ده كله بتاعك أنا ماليش غير البيت.
بدأ يتلخبط وقرب من المحامي بسرعة وهو بيقول:
استنى يا أستاذ الصندوق ده طلع من البيت والبيت ورثة يعني اللي فيه يخصنا إحنا الاتنين.
لكن السمسار رفع صوته قبل أي حد.
لا يا حسام أنا شاهد عليك إنت بنفسك قولت إن الصندوق بكل اللي فيه لأختك.
ورد عليه جارنا عم رمضان وهو بيهز راسه:
وإحنا كلنا سمعناك.
وقال راجل تالت:
إنت اللي قلت الورق القديم مالوش قيمة وخليته كله من حقها.
في اللحظة دي كان شيخ البلد وصل بعد ما سمع الناس بتتجمع، فسأل عن اللي حصل ولما عرف، قال بهدوء:
الراجل لما يدي حاجة لحد قدام شهود ويرضى بيها، يبقى خلاص انتهى الكلام.
بدأ أخويا يتلعثم.
أنا أنا مكنتش أعرف إن الورقة دي…
قاطعه الرجل الكبير وهو يبتسم ابتسامة كلها وقار وقال:
وده اللي كان أبويا متوقعه.
سكت لحظة، ثم أكمل:
عشان كده أوصى إن وصل الدين الأصلي لازم يكون مع الشخص اللي احتفظ بيه، لأنه هو اللي حافظ على حق صاحبه، حتى لو من غير ما يقصد.
ثم التفت ناحيتي وقال بكل احترام:
يا بنتي والدك كان راجل عظيم وعمر الجميل ما بيضيع.