تالت يوم بعد دفن ابويا
صابرين محمد
أول ما سمعت التاريخ، حسيت كأن حد نده عليّا من بعيد.
بصيت للصندوق اللي كنت لسه ضاماه في حضني وافتكرت الورقة اللي أخويا كان لسه من دقيقة بيضحك عليها ويقول إنها مالهاش أي قيمة.
فتحت الصندوق بسرعة وبدأت أقلب وسط الصور والخطابات القديمة، لحد ما لقيت الظرف الأصفر.
سحبته بإيدي المرتعشة وطلعت منه وصل الدين ومديته للرجل.
قبل ما ياخده، المحامي اللي كان واقف جنبه مد إيده بسرعة وكأنه كان خايف الورقة تضيع من بين إيده.
أول ما وقعت عينه على التاريخ اتسعت عيناه وبص للرجل الكبير وهو بيقول بصوت مخنوق:
هو هو نفس التاريخ ونفس الاسم ونفس التوقيع.
أما الرجل الكبير، فمسك الورقة بإيدين بترتعش وفضل يبص لها ثواني طويلة، قبل ما يغمض عينيه ويقول وكأن حملًا عمره عشرات السنين نزل من فوق كتفه:
الحمد لله أخيرًا لقينا وصل الدين.
أما أخويا فكان لسه واقف يبتسم باستخفاف وهو مش فاهم إن الورقة اللي قال عنها من شوية: خديها دي مالهاش أي لازمة. هي نفسها الورقة اللي هتغير حياتنا كلها بعد لحظات.
بص للمحامي وقال وهو بيضحك:
يعني إيه بقى؟ الورقة دي فيها كنز ولا إيه؟ أصل لو عايزين الخمسة آلاف جنيه، أهو وصل الدين قدامكم وأنا مستعد أدهالكم حالًا!
الراجل الكبير ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
إحنا مش جايين ناخد خمسة آلاف جنيه إحنا جايين نرد دين عمره خمسة وخمسين سنة.
سكت الشارع كله.
حتى الهوا كأنه وقف.
أما المحامي، ففتح شنطة الجلد اللي كانت في إيده وطلع منها ملفًا سميكًا وأخرج ورقة مختومة بختم رسمي.
وقال وهو بيبص ناحية الناس:
سنة ألف وتسعمية وسبعين والد موكلي استدان من المرحوم الحاج محمود مبلغ خمسة آلاف جنيه وكتب بخط إيده وصل الدين ده.
أخويا هز كتفه وقال بملل:
طيب وبعدين؟
المحامي كمل:
بعدها بأيام قليلة، سافر والد موكلي وبدأ تجارة بسيطة وربنا فتحها عليه بصورة محدش كان يتخيلها من تجارة صغيرة، لشركة، لمجموعة شركات، لحد ما بقى من أكبر رجال الأعمال.
الناس بدأت تبص لبعضها.
وأخويا لسه مش فاهم.
المحامي كمل كلامه وهو بيقلب في الأوراق:
طول عمره كان يقول لأولاده: أول خطوة في حياتي بدأت بالخمسة آلاف جنيه اللي استلفتهم من الحاج محمود ولولا وقفته معايا في أصعب وقت، مكنتش وصلت للي أنا فيه.
الرجل الكبير مسح دمعة نزلت من عينه وقال بصوت مخنوق: