اتجوزت شاب

فيه حاجة غريبة.
قلت لنفسي إنه جوزي، ومن الطبيعي يعرف تفاصيل عن حياتي.
لكن لما افتكرت الأسئلة دي بعد اللي حصل، بدأت أفهم إن بعض التفاصيل الصغيرة ممكن تكون أهم بكتير مما نتخيل.
في آخر اليوم التاني، وقف آدم على سطح اليخت، وبص للبحر وقال
نفسي الرحلة دي ما تخلصش أبدًا.
وقفت جنبه وقلت
وأنا كمان.
ابتسم، وبعدها لف ناحيتي.
بحبك.
ابتسمت له ورديت
وأنا كمان بحبك يا آدم.
كانت دي آخر ليلة هادية قبل ما حياتي تتحول لچحيم.
اليوم التالت اللحظة اللي عرفت فيها حقيقة جوزي
في صباح اليوم التالت، صحيت على صوت البحر الهادي.
خرجت من الغرفة، ولقيت آدم صاحي قبلي.
كان واقف على السطح، وبيبص للأفق.
لما شافني، ابتسم وقال
صباح الخير يا حبيبتي.
قلت له
صباح النور. إيه اللي مصحيك بدري كده؟
قال
عايز أوريكي مكان جميل جدًا. الميه هناك صافية بطريقة مش طبيعية.
فرحت بالفكرة.
كنت بحب المناظر الطبيعية، وكنت متحمسة أشوف مكان جديد.
قعدنا شوية نتناول الفطار، وبعدها بدأ اليخت يتحرك بعيدًا عن الشاطئ.
مع مرور الوقت، بدأت المسافة بيننا وبين اليابسة تكبر.
كنت ببص حواليّ، والبحر ممتد من كل ناحية، والسماء واسعة فوقنا.
المشهد كان جميلًا، لكن كان فيه إحساس غريب بدأ يتسلل لجوايا.
يمكن عشان المكان كان هادي أكتر من اللازم.
يمكن عشان ماكنتش شايفة أي قوارب قريبة.
أو يمكن كان فيه شيء في تصرفات آدم خلاني أقلق من غير ما أفهم السبب.
بعد فترة، قال لي
تعالي هنا، عايز أوريكي حاجة.
مشيت ناحيته.
كان واقف بالقرب من سور اليخت، وبص لتحت.
قال لي
شوفي الميه. صافية جدًا، صح؟
قربت من السور، وانحنيت قليلًا عشان أشوف انعكاس الشمس على سطح البحر.
وفجأة، سمعت صوته من ورايا
بصّي تحت أكتر.
وقبل ما ألحق ألف وشي ناحيته، حسيت بضړبة قوية في ضهري!
جسمي اندفع للأمام، وفقدت توازني، وفي ثانية واحدة، لقيت نفسي بطير من فوق سور اليخت!
صړخت بكل قوتي.
وبعدها سقطت في البحر.
الميه كانت باردة بشكل صاډم.
ڠرقت تحت السطح للحظات، وأنا بحاول أفهم إيه اللي حصل.
كنت حاسة إن نفسي بيتقطع، وإن هدومي التقيلة بتشدني لتحت.
حاولت أحرّك إيديا ورجليا، وبالعافية قدرت أطلع راسي فوق سطح الميه.
وأول حاجة شفتها كانت آدم.
كان واقف فوق على اليخت، بيبص لي.
صړخت
آدم! الحقني!
كنت متوقعة إنه هيرمي لي طوق نجاة، أو يمد لي حبلًا، أو على الأقل يحاول يوقف اليخت.
لكن ماحصلش أي حاجة من دي.
فضل واقف مكانه، بيبص لي ببرود غريب.
صړخت تاني
ساعدني! أنا مش قادرة أعوم!
لكنه ما اتحركش.
وفي اللحظة دي، بدأت الحقيقة تتكشف قدامي بشكل مرعب.
افتكرت كل مرة قال لي فيها إنه بيحبني.
افتكرت الورد، والرسايل، والوعود، والخاتم، وكلامه عن إنه مش فارق معاه فرق السن.
كل الذكريات دي مرت قدامي في ثوانٍ، وأنا غرقانة في البحر، ببص للرجل اللي كنت فاكرة إنه شريك حياتي.
قلت له وأنا بقاوم الميه
إنت قلت إنك بتحبني! ليه بتعمل فيا كده؟!
بص لي من فوق، وقال بصوت بارد
أنا آسف.
كلمتين بس.
أنا آسف.
كأن اللي بيعمله حاجة بسيطة، وكأن حياتي اللي كانت بتضيع قدام عينيه مجرد مشكلة عايز يخلص منها.
بعدها، بدأ اليخت يتحرك.
في البداية، كان بطيئًا، لكن بعد لحظات، بدأت المسافة بيننا تكبر.
صړخت باسمه.
ناديت عليه.
طلبت منه يرجع.
لكن آدم ما بصليش تاني.
فضل اليخت يبعد، لحد ما بقى نقطة بيضا صغيرة في آخر الأفق.
وبعدها اختفى.
لقيت نفسي لوحدي في وسط البحر.
مفيش حد حواليا.
مفيش شاطئ قريب أقدر أوصله.
ومفيش أي صوت غير صوت الميه والهواء.
كنت عندي تمانين سنة، وجسمي ما بقاش عنده نفس القوة اللي كان عندي زمان.
كل حركة كانت بتستهلك طاقتي.
والبرد بدأ يتسلل لجسمي.
لكن وسط الخۏف والړعب، كان فيه إحساس أقوى من أي حاجة تانية.
الڠضب.
ماقدرتش أصدق إن الشخص اللي وثقت فيه لدرجة إني اتجوزته، قرر ېقتلني بالطريقة دي.
كنت فاكرة إن أكبر مشكلة ممكن أواجهها في حياتي هي الوحدة.
لكن اكتشفت إن فيه حاجة أبشع بكتير من الوحدة.
إنك تكتشف إن الشخص اللي كنت بتعتبره أمانك، هو نفسه اللي بيحاول ينهي حياتك.
ومع ذلك، ماكنتش ناوية أستسلم.
لأن آدم ارتكب غلطة واحدة خطېرة.
هو افتكر إن كوني عندي تمانين سنة معناه إني ضعيفة، وإنه يقدر يتخلص مني بسهولة. لكنه ماكانش يعرف أي حاجة عن حياتي قبل ما يقابلني.
السر اللي جوزي ماكانش يعرفه
قبل ما أتجوز آدم بعشرات السنين، كنت متزوجة من رجل مختلف تمامًا عنه.
جوزي الأول كان بيحب البحر والإبحار بشكل كبير. وكان عنده خبرة واسعة في الرحلات البحرية، وكنا بنقضي تقريبًا كل صيف على الميه.
في البداية، كنت بخاف من البحر.
كنت بحب أتفرج عليه من بعيد، لكن فكرة إني أبقى في وسطه كانت بتوترني.
جوزي الأول كان دايمًا يقولي
البحر جميل، لكن لازم تحترميه وتتعلمي تتعاملي معاه.
علّمني السباحة، وعلّمني إزاي أفضّل طافية على سطح الميه من غير ما أستهلك طاقتي بسرعة.
وعلّمني كمان إن أي رحلة بحرية، مهما كانت آمنة، لازم يكون فيها استعداد للطوارئ.
كنت وقتها بعتبر كل ده مبالغة.
لكن بعد سنين طويلة، فهمت إن الدروس اللي اتعلمتها معاه كانت السبب في نجاتي.
لما كنت في البحر مع آدم، كنت فاكرة إن كل الحكايات دي مجرد ذكريات قديمة.
لكن بعد ما وقعت في الميه، بدأت أفتكرها واحدة واحدة.
افتكرت إزاي كنت بعوم، وإزاي كنت بحاول أسيطر على نفسي بدل ما أتحرك بعشوائية.
وافتكرت أهم قاعدة كان جوزي بيكررها عليّ
لما تلاقي نفسك في خطړ، ما تخليش الخۏف يخليك تنسى اللي اتعلمته.
حاولت أهدّي نفسي، وأحافظ على طاقتي قدر الإمكان.
كنت عارفة إن السباحة لمسافة طويلة في البحر المفتوح شبه مستحيلة بالنسبة لي، خصوصًا في سني.
لكن قبل الرحلة، كنت لاحظت حاجة مهمة جدًا.
على جانب اليخت، بالقرب من المؤخرة، كان فيه قارب نجاة صغير قابل للنفخ، مثبت في مكانه ضمن معدات الطوارئ.
ماكنتش فكرت في الموضوع وقتها، لكن المشهد رجع في ذاكرتي بوضوح.
قلت لنفسي إن دي فرصتي الوحيدة.
كان اليخت لسه بيتحرك بعيدًا، لكنه ماكانش ابتعد بالكامل.
وأنا بحاول أحافظ على نفسي فوق سطح الميه، لمحت حبلًا متدليًا بالقرب من مؤخرة اليخت.
مديت إيدي بكل قوتي، وحاولت أمسكه.
في البداية، إيدي زحلقت.
حاولت مرة تانية.
وفي المرة التالتة، قدرت أمسك الحبل.
صړخت من الألم، لأن إيديا كانت بتوجعني، لكني تمسكت بيه بكل ما عندي من قوة.
اليخت بدأ يسرع، والميه كانت بتتحرك حواليا پعنف أكبر.
كنت عارفة إن لو إيدي سابت الحبل، ممكن ماقدرش أوصل له تاني.
فضلت متعلقة بيه، وأنا بحاول أتحرك ناحية مؤخرة اليخت.
ماكانش عندي رفاهية التفكير في آدم، ولا في اللي عمله، ولا في السبب اللي خلاه يحاول ېقتلني.
كان عندي هدف واحد بس.
إني أعيش.
وبعد مجهود كبير، قدرت أوصل لمكان قريب من آلية قارب النجاة.
كنت مرهقة لدرجة إني حسيت إني مش هقدر أعمل أي حركة إضافية.
لكن جمعت آخر طاقتي، وحاولت أوصل لمقبض آلية الطوارئ.
مديت إيدي.
لمسته.
وشديته بكل قوتي.
في اللحظات التالية، بدأت معدات النجاة تتحرك، وانفتح القارب القابل للنفخ في الميه.
ماكنتش مصدقة إني نجحت.
بعد ما كنت فاكرة إن نهايتي قربت، لقيت نفسي عندي فرصة حقيقية للنجاة.
تمسكت بالقارب، وحاولت أستقر فيه بأفضل طريقة أقدر عليها.
كنت بردانة، ومرهقة، وخاېفة، لكني لسه عايشة.
ولأول مرة من ساعة ما وقعت في البحر، سمحت لنفسي أبكي.
بكيت على السنين اللي ضاعت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *