ترك زوجي مجلس عزاء والدي

لكن حين رأيت الخوف الحقيقي في عينيهما

شعرت بالتعب فقط.

لا بالغضب.

قال غالب بصوت مكسور

أقسم بالله يا زينب لم نكن نعرف.

لم أرد.

أخرجت رنا أحد العقود من الملف وفتحته أمامهما.

هذه الأوراق تثبت أنه استغل ديونكما لينقل الحصص باسمه.

نظر مهدي إلى توقيعه وكأنه يراه لأول مرة.

ثم جلس على الأرض فجأة واضعًا يديه فوق رأسه.

يا رب

أما غالب فبدأ يبكي بصمت.

لقد بعنا كل شيء بأيدينا

قلت بصوت هادئ متعب

لم يكن يريد حصصكما فقط.

رفع غالب رأسه نحوي ببطء.

فأكملت

كان يريد توقيعي أنا.

ساد الصمت.

ثم نظر الأخوان نحو كرار في الوقت نفسه.

وكان ينظر إليّ بكراهية خالصة من بعيد.

اقترب الضباط ليأخذوه نحو السيارة.

لكنه توقف فجأة.

ثم التفت نحوي للمرة الأخيرة.

ووسط المطر والظلام قال

كنتِ غبية لأنكِ صدقتِ أن أحدًا يمكن أن يحب في هذا العالم.

شعرت بالقشعريرة.

لكنني لم أبكِ.

لم أصرخ.

فقط نظرت إليه وقلت

وأنت كنت أحمق لأنك ظننت أن المال أهم من البشر.

تجمّد للحظة.

ثم دفعه الشرطي إلى السيارة بعنف.

واختفى خلف الباب الحديدي.

وبعد دقائق

غادرت سيارات الشرطة واحدة تلو الأخرى.

وبقيت المقبرة هادئة من جديد.

هادئة بشكل مؤلم.

وقفت أمام قبر أبي طويلًا.

لا أعرف كم مرّ من الوقت.

حتى اقترب أبو حسن ووضع بيده مصباحًا صغيرًا قرب القبر.

ثم قال بصوته العجوز

كان أبوكِ يعرف أن هذه الليلة ستأتي.

نظرت إليه بصمت.

فأخرج مسبحة قديمة من جيبه.

أعطاني هذه قبل موته بيومين وقال إذا حدث شيء، سلّمها لزينب.

أخذتها بيد مرتجفة.

كانت مسبحة أبي فعلًا.

نفس المسبحة التي كان يحملها بعد كل صلاة.

شعرت بدموعي تنزل أخيرًا.

لكن هذه المرة

لم تكن دموع خوف.

كانت دموع اشتياق.

قلت بصوت مكسور

كان وحده يعرف الحقيقة كلها

هزّ أبو حسن رأسه.

لا كان ينتظر منكم أن تروها بأنفسكم.

ثم تركني وابتعد بهدوء.

بقيت وحدي أمام القبر.

الهواء البارد يلف عباءتي.

وصوت المطر يضرب الأرض بهدوء.

تذكرت آخر مرة رأيت فيها أبي حيًا.

كان متعبًا جدًا.

 

لكنه أمسك يدي قبل النوم وقال

إذا متُّ يا ابنتي فلا تسمحي لأحد أن يكسركِ.

وقتها غضبت منه.

وظننته يتحدث عن الموت كعادته.

لكنني الآن فقط فهمت.

أخرجت هاتفي ببطء.

كانت آخر رسالة ما تزال ظاهرة على الشاشة

يا ابنتي تعالي إلى وادي السلام حالًا.

مررت أصابعي فوق الكلمات.

ثم أغلقت الهاتف أخيرًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *