اول ماجدتي توفت
إن حفيدتها هتلاقيها في الوقت المناسب.
وبعد انتهاء الافتتاح، الناس بدأت تمشي واحدة واحدة.
فضلت واقفة قدام صورة جدتي.
وبجانبي الراجل اللي ضاع من عمره عشرين سنة وهو بيدور عليا.
أبويا.
رفيق.
مد إيده بتردد.
ولأول مرة
أنا اللي مسكتها.
بصلي وكأنه خايف اللحظة تختفي.
وقلت له بابتسامة صغيرة
يلا يا بابا نروح البيت.
الكلمة وقفت الزمن ثواني.
عينيه اتمَلّوا دموع.
وحاول يتكلم، لكنه ما قدرش.
فقط هز رأسه ومشى جنبي.
في الطريق، افتكرت جدتي.
افتكرت تعبها.
وصبرها.
والسنين اللي عاشت فيها شايلة أسرار أكبر من طاقتها.
وفهمت أخيرًا ليه كانت دايمًا تقول
الفلوس بتكشف الناس يا ندى لكن الحقيقة بتكشفهم أكتر.
خالاتي وخالي خسروا كل شيء تقريبًا.
مش بسبب الفلوس.
لكن لأن الطمع أكل آخر حاجة كانت فاضلة عندهم احترام الناس.
أما أنا
فكسبت بيتي.
واسترديت حقي.
ولقيت أبويا.
لكن أكبر مكسب كان إني عرفت إن الست العجوز اللي كانت بتلبس مريلة زرقا قديمة كل يوم
ما كانتش مجرد جدة.
كانت بطلة حقيقية.
حمتني وأنا طفلة.
وحفظت حقي وأنا كبيرة.
وسابتلي الطريق كله مرسوم قبل ما ترحل.
وفي ليلة هادئة بعد شهور، دخلت أوضتها القديمة.
فتحت الدرج اللي كانت بتحط فيه مسبحتها.
ولقيت ورقة صغيرة جدًا ماكنتش شفتها قبل كده.
مكتوب فيها بخطها المرتعش
لو وصلتي لهنا يا ندى
يبقى انتصرتي.
سامحيني إني خبيت عنك حاجات كتير.
بس كنت بحارب علشانك.
ولما تقفي قدام المراية يومًا ما
افتكري إنك أقوى مما تتخيلي.
وأغلى من كل الفلوس اللي سبتها.
بحبك.
تيتة زينب.
حضنت الورقة على صدري.
وبكيت.
لكنها كانت أول دموع راحة أنزلها من سنين.
رفعت عيني للسما.
وهمست
متقلقيش يا تيتة
الأمانة وصلت.
والحق رجع.
وأنا بقيت بخير.
لأول مرة فعلًا
خير.
لكن الحكاية ما انتهتش عند كده.
بعد حوالي ستة أشهر من افتتاح المؤسسة، كنت راجعة البيت متأخر بعد يوم طويل.
لقيت ظرف أبيض محطوط تحت الباب.
من غير اسم مرسل.
فتحت الظرف بحذر.
وكان جواه مفتاح صغير جدًا.
ومعاه ورقة مكتوب عليها:
“الحاجة زينب كانت أذكى من الجميع. ولو وصل المفتاح لندى، يبقى وقت السر الأخير جه.”
قلبي دق بعنف.
افتكرت كل الأسرار اللي ظهرت.
وافتكرت إني كنت مقتنعة إن مفيش حاجة تانية مستخبية.
لكن جدتي أثبتت أكتر من مرة إن مفاجآتها ما بتخلصش.
في اليوم التالي، أخدت المفتاح وروحت البنك.