اول ماجدتي توفت

 

مدير البنك نفسه اتفاجئ.

 

وبعد مراجعة طويلة قال:

 

“الغريب إن المفتاح ده مش للخزنة اللي فتحناها قبل كده.”

 

سألته:

 

“أمال لخزنة إيه؟”

 

فتح الكمبيوتر.

 

وبعدين رفع عينه ناحيتي.

 

“في خزنة تانية باسم الحاجة زينب… لكن عليها تعليمات إنها ما تتفتحش إلا بعد ستة أشهر من تنفيذ الوصية.”

 

شعرت بقشعريرة.

 

كأن جدتي كانت مرتبة كل خطوة.

 

نزلنا للطابق السفلي.

 

والخزنة اتفتحت أخيرًا.

 

لكن المرة دي…

 

ماكانش فيها فلوس.

 

ولا عقود.

 

ولا ذهب.

 

كان فيها صندوق خشب صغير.

 

قديم جدًا.

 

عليه خدوش الزمن.

 

فتحته بإيدي المرتعشة.

 

لقيت عشرات الخطابات.

 

كل خطاب عليه تاريخ.

 

وأسماء.

 

اسمي.

 

واسم أبويا.

 

واسم أمي.

 

وحتى أسماء خالاتي وخالي.

 

جلسنا نقرأ.

 

وكانت المفاجأة الأكبر في آخر خطاب.

 

كتبت جدتي:

 

“لو وصلتي هنا يا ندى، يبقى عرفتي الحقيقة كلها تقريبًا.

 

لكن في حاجة محدش يعرفها.

 

حتى أبوكي.”

 

نظرت إلى رفيق.

 

كان مذهولًا مثلي.

 

أكملت القراءة.

 

“أمك قبل وفاتها كانت حامل.”

 

تجمد الدم في عروقي.

 

رفيق انتفض من مكانه.

 

“إيه؟”

 

كملت بصوت مرتجف:

 

“كانت حامل في شهرها الثالث. لكن الطفل مات معها قبل الولادة. وأخفيت الحقيقة لأن الحزن كان هيق..تل أبوكي.”

 

ساد الصمت.

 

صمت ثقيل.

 

ثم بدأت دموع رفيق تنزل.

 

بعد كل هذه السنوات…

 

اكتشف أنه فقد طفلًا ثانيًا لم يكن يعلم بوجوده أصلًا.

 

لكن الرسالة لم تنته.

 

كان هناك سطر أخير.

 

سطر واحد فقط.

 

“وأهم حاجة يا ندى… متعيشيش عمرك كله بتحاربي زيي.”

 

سكتُّ طويلًا.

 

وأعدت قراءة الجملة مرات.

 

فهمت وقتها شيئًا مهمًا.

 

جدتي لم تترك لي المال فقط.

 

ولم تترك لي العقارات فقط.

 

تركت لي فرصة.

 

فرصة أعيش حياة مختلفة.

 

حياة لا تدور كلها حول الماضي.

 

في تلك الليلة، رجعت إلى البيت.

 

دخلت غرفة جدتي.

 

وجلست في مكانها المعتاد.

 

وأمام صورتها قلت:

 

“كفاية يا تيتة. هنا هتنتهي الحروب.”

 

بعد سنة أخرى، المؤسسة كبرت.

 

وأصبحت تساعد مئات المسنين.

 

وأبويا بقى جزءًا من حياتي.

 

ببطء.

 

من غير استعجال.

 

كنا بنعوض السنوات الضائعة يومًا بعد يوم.

 

أما خالاتي وخالي…

 

فبقوا مجرد فصل قديم.

 

فصل مؤلم.

 

لكنه انتهى.

 

وفي ذكرى رحيل جدتي الثالثة، وقفنا جميعًا أمام صورتها.

 

أنا.

 

وأبويا.

 

وكل الناس اللي ساعدتهم المؤسسة.

 

ونظرت إلى ابتسامتها في الصورة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *