شوفت جوزي

خرج طارق يجر قدميه في طرقة العمارة المظلمة، مطأطأ الرأس، وسط نظرات الخزي التي حاصرته من كل جانب. أما أنا، فرفعتُ رأسي، وأغلقتُ باب شقتي ببطء شديد، وسمعتُ صوت المفتاح وهو يدور في القفل مرتين. عدتُ إلى المطبخ، مشيتُ بخطوات رصينة، وأمكستُ بهاتفي المحمول. لم تكن المعركة قد انتهت بعد، فالمرحلة القادمة لن تكون مجرد خروج خائن من حياتي، بل استرداد كل شبر وكل حق سلب مني في غفلة من السنين. سحبتُ كرسي المطبخ، جلستُ بكل هدوء، وبدأتُ بطلب رقم والدي في الصعيد، ليسمع منه أول الفصل الجديد…أمسكتُ بهاتفي ويداي ثابتتان لا ترتجفان، وطلبتُ رقم والدي الحاج عبد الجواد.

ما هي إلا ثوانٍ قليلة حتى جاءني صوته الحنون الصلب من أقصى الصعيد، يقطع المسافات بنبرته الدفيئة: “أهلاً يا سارة يا بنتي.. خير يا حبيبتي؟ صوتك هادي بس وراه خبر كبير.. طمنيني عليكِ؟”.تنفستُ بعمق، وكأنني أستجمع كل القوة التي اختزنتها طوال تلك الساعات، وقُلت بثبات نقي: “يا بوي.. طارق خان الأمانة ودنس بيتي وجاب لي جارتي في حمايا وفي غيابي.. وأنا أخدت حقي بالعدل والدستور، وطردته قدام رجال العمارة كلهم بقميصه الممزق من غير ولا قرش ولا ورقة”.ساد الصمت عبر الهاتف لثوانٍ معدودة، كان صمتًا ثقيلاً أشبه بزمجر السحاب قبل العاصفة.

ثم جاءني صوت أبي بحشرجة غضب أهزت سكون الغرفة: “خانك في بيتك يا سارة؟! ولد ناس وربّيناه وأمّيناه على عرضنا يقوم يوطي راسنا؟! اقفلي يا بنتي.. ساعة زمن وتلاقي عمك وإخواتك عندك في القاهرة.. حقك مش هيجي بقانون الشارع ولا بكلام الجيران، حقك هيتاخد أصول وعرب عرب!”.أغلقتُ الخط مع والدي وأنا أعلم أن العاصفة القادمة ستقتلع ما تبقى من أثر لطارق في هذه الحياة.

جلستُ على أريكة الصالة، أتابع ببرود حركة الشارع من خلف الستارة. كان طارق يقف في أسفل العمارة، بجوار شجرة اللبّخ القديمة، يتوسل للجيران الذين مروا به وتجاهلوه كأنه طيف لا وجود له. لا يملك هاتفه، ولا محفظته، ولا حتى حذاءً يقيه برد الليل، بعدما خرج مطرودًا مذلولاً بفضل رجولة سامح وغضب الأهالي. وفجأة، لمحتُ سيارة سوداء تقف ببطء عند أول الشارع.

نزل منها رجلان ضخما الجثة، ملامحهما صعيدية حادة، يتجهان مباشرة نحو طارق! كانا شقيقي نهى الكبيرين، اللذين وصلهما الخبر كالصاعقة بعدما طردها سامح ورماها في الشارع. وقف شقيقها الأكبر “حامد” أمام طارق، وجهه مسود من الخزي والعار، وسأله بصوت كأسهام المقابر: “انت طارق؟ انت اللي وضعت راسنا في الطين وخليت أختنا الخائنة تعمل الفعلة دي معك؟”.حاول طارق التراجع والخوف يمتلك كل جوارحه، وصاح بجمود وتردد: “يا جماعة افهموا بس.. أختكم هي اللي جاءت لي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *