شوفت جوزي

نظر طارق إلى والده ثم إلى إخوتي، وأدرك أن أي محاولة للمقاومة أو المماطلة ستعني هلاكه المحتوم ودخوله السجن لسنوات طويلة، فضلاً عن الملاحقة التي تنتظره من سامح وإخوة نهى. رفع يده المرتجفة وأ مسك القلم بقلب مك. سور، وبدأ يوقع على أوراق التنازل واحدة تلو الأخرى، والدموع تتساقط من عينيه على الورق الحاضر. بعد انتهاء التوقيعات، وقف والدي وأخذ العقود الموقعة، ونظر إلى طارق وقال له بكلمات أخيره كأنها صخرة هودت على رأسه: “أنت دلوقتي بقيت بلا بيت، وبلا شركة، وبلا زوجة، وبلا شرف في الشارع ده.

. تاخد هدومك في كيس أسود وتغور من المنطقة دي كلها وما تشفش عينك درب سارة تاني”.صعد والدي وإخوتي إليّ يحملون أوراق النصر واسترداد الحقوق كاملة. استلمتُ الأوراق بيدي، وقفتُ في منتصف الصالة التي كانت شاهدة على الخيانة، ونظرتُ إلى الباب المغلق. لم أكن أشعر بالنصر الفوضوي، بل برضا هادئ وعميق، رضا امرأة أخذت حقها بذكاء ودون أن تريق قطرة دمع واحدة أو تفقد وقارها. أقفلتُ الملف الاستثماري والقانوني، وتطلعتُ نحو النافذة حيث كانت شمس الفجر تبدأ في الشروق، لتعلن بداية فصل جديد خالي تمامًا من الخونة والظلال…

مع إشراقة شمس الفجر الأولى، كانت أنوار الصالة تنعكس على الأرضية الرخامية النظيفة، وكأن البيت يتنفس من جديد بعدما خرج منه الخبيث. أخذ والدي الحاج عبد الجواد جرعة من كاس الشاي الدافي، والتفت إليّ بنظرة ملأها الفخر والاعتزاز، قائلًا: “أوراقك كلها بجيّت في جيبك يا سارة.. الشقة، والشركة، وحقوقك كاملة مكملة. ودلوقتي الشارع كله عرف مين الهانم بنت الأصول ومين الخاين اللي اترما في الشارع زي الكلب”.ابتسمتُ ببرود وهدوء، وقُلت: “الحق ما بيموتش يا بوي.. والحمد لله إن ربنا كشفه على إيدي ومن غير ما أنزل لمستواه”.

لكن الأحداث لم تقف عند هذا الحد؛ ففي الطابق العلوي، كانت شقة سامح تشهد الفصل الأخير من دراما الخيانة. بعد أن طرد نهى ورماها لأهلها، نزل سامح بخطوات ثقيلة، يحمل حقيبة سفر كبيرة وضع فيها كل أغراضها، ووقف أمام بوابة العمارة وسكب أغراضها على الرصيف أمام أعين الجميع، ليكون درسًا قاسيًا لكل من تسوّل له نفسه خيانة الأمانة. وفجأة، ظهر طارق مجددًا عند رأس الشارع! كان يحاول التسلل في الصباح الباكر ليأخذ سيارته التي كانت مركونة أمام العمارة، متمنيًا أن يهرب بها قبل أن يراه أحد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *