شوفت جوزي
تراجع للخلف وهو يمسك برأسه كالمجنون، ويجول بعينيه في أركان الشقة التي أصبحت بالنسبة له سجنًا وشاهدًا على خزي لا يُمحى. وفجأة، طُرق باب شقتنا بقوة. لم تكن طرقة عادية، بل ض. ربات متتالية بعنف تجعل الخشب يرتجف. ارتعد جسد طارق بالكامل واختبأ خلف أريكة الصالة كالأرنب المذعور، وهو يهمس برعب: “ده سامح.. سامح رجع ومعاه حاجة يقتلني بيها يا سارة! ما تفتحيش الباب! أرجوكِ ما تفتحيش!”.مشيتُ بخطوات ثابتة وواثقة نحو الباب الخارجي، غير أبهة برعبه أو توسلاته.
وقفتُ خلف الباب، وسألتُ بنبرة هادئة: “مين؟”.جاءني صوت سامح من الخارج، صوته كان مشحونًا بغضب مكتوم، حادًا وقاطعًا كالسيف، ومعه أصوات همهمات بضع رجال من سكان العمارة الذين تجمعوا على أثر الفضيحة. قال سامح: “افتحي يا سارة.. أنا جايب كبار العمارة والأستاذ حلمي المحامي جاري.. الحساب لازم يتصفى قدام الكل ودلوقتي”.التفتُّ لنصف ثانية إلى الخلف، رأيتُ طارق يتوسل إليّ بعينيه، يرتجف ويهز رأسه نفيًا، ووجهه يتصبب عررقًا باردًا من شدة الخوف. لم أتردد لحظة واحدة. وضعتُ يدي على القفل، وأدرتُ المفتاح ببطء..
أدرتُ المفتاح بثبات، وانفتح الباب رويدًا رويدًا ليظهر أمامي مجالس العمارة ورجالها، يتقدمهم سامح بعينين حمراوين كالجمر وجبين يتصبب عرقًا، وإلى جواره الأستاذ حلمي المحامي، ورجلان من كبار السكن في البناية، وملامح الذهول والصدمة تعلو وجوه الجميع. وقف سامح على العتبة، تنفسه متقطع، ويده المرتجفة تشير إلى الداخل وهو يقول بصوت مجروح يبغض الخيانة: “تفضل يا أستاذ حلمي.. تفضلوا يا جماعة عشان تشوفوا بعينكم الخيانة لما تتجسد في بني آدم كنا فاكرينه جار وأخ!”.دخل الرجال إلى الصالة بخطوات ثقيلة وحذرة.
وفي تلك اللحظة، كان طارق ينكمش خلف الأريكة، يحاول أن يختفي عن الأنظار، لكن خزي موقفه وقميصه الممزق ومظهر ذعره الفاضح جعل منه أضحوكة ومحط قرف ونفور للجميع. نزل الأستاذ حلمي بنظارته على طرف أنفه، ونظر إلى طارق بأسف وقرف، ثم التفت إليّ وقيل بنبرة وقورة: “يا سارة يا بنتي.. إحنا سمعنا الكلام من سامح وما صدقناش، وقلنا نيجي بنفسنا نفهم. هل الكلام ده حصل؟ هل الأستاذ طارق اتجرأ وخان الأمانة والجار في بيتك وبيته؟”.استجمعتُ كل ثباتي، وقفتُ منتصبة القامة، ونظرتُ إلى الأستاذ حلمي بعينين لم تسكب قطرة دمع واحدة، وقُلت بصوت واضح نقي يسمعه الجميع: “يا أستاذ حلمي.