شوفت جوزي
دخل الأستاذ حلمي المحامي، يحمل في يده حقيبته الجلدية وابتسامة هادئة تعلو وجهه، قائلاً: “صباح الخير يا سارة.. جيت أبلغك بأحدث التطورات القانونية عشان الملف يتفصل فيه بشكل كامل”.اعتدلتُ في جلستي وقُلت بثبات: “خير يا أستاذ حلمي؟ أظن الأحكام التنفيذية ماشية في طريقها؟”.أخرج حلمي ملفًا مستجدًا ووضعه أمامي قائلاً: “بالفعل.. طارق استنفد كل محاولات الاستئناف، وصدر الحكم النهائي المؤيد في قضية الزنا وانتهاب حرمة السكن المرفوعة من سامح، ليتجمع عليه مجموع أحكام بالسجن المشدد يصل لـ 8 سنوات، بالإضافة إلى التنفيذ الجبري على ما تبقى من أملاكه الشخصية لسداد تعويض الأضرار المالية والأدبية لصالحك”.
تنفستُ بعمق وقُلت بنبرة خالية من أي شفقة: “ده الجزاء العادل لرجل استهان بالبيت والعرض والجيرة”.وواصل حلمي بلهجة تفصيلية: “مش بس كده.. أهله باعوا قطعة الأرض الأخيرة في الصعيد عشان يقدروا يسددوا المصاريف القضائية وديون متفرقة، وأصبح هو وعيلته خارج نطاق السوق تمامًا. أما نهى، فبعد طلاقها الرسمي من سامح وصدور حكم النيابة، أهالها أخدوها وعاشوا في مكان مجهول أطراف أقاليم الصعيد بعيد عن كل معارفهم بعد الخزي اللي لحق بيهم”.
في تلك الأثناء، وفي أحد السجون العمومية شديدة الحراسة، كان طارق يقف في طابور السجناء لارتداء الزي الأزرق الخاص بالمحكوم عليهم بأحكام مشددة. المظهر الأنيق الذي كان يتباهى به اختفى تمامًا، حل محله شعر أشعث، وجه شاحب تطوقه الهالات السوداء، وجسد نحف من قسوة الأيام وثقل الندم. جلس في ساحة السجن أثناء ساعة الفسحة القليلة، ينظر إلى الفراغ الممتد أمامه، ويتذكر كيف كانت حياته قبل تلك اللحظة الشؤوم. كان يملك زوجة أصيلة وشريفة، بيتاً دافئاً، وشركة ناجحة ومكانة اجتماعية مرموقة.
. كل ذلك تبخر في لحظة طيش ورخص. اقترب منه أحد السجناء وقعد إلى جواره قائلاً بجفاء: “إيه يا طارق؟ سرحان في إيه؟ المحامي بتاعك ما جاش النهاردة ليه؟”.رد طارق بصوت خفيض بحّت فيه النبرة: “المحامي مش هيجي تاني.. خلاص، القضية أتقفلت والسحابة المظلمة بلعتني. أنا الخسران الوحيد.. سارة خدت كل حاجة ورجعت أقوى من الأول، وأنا بقيت مجرد رقم في دفتر السجن”.
أما على الجانب الآخر، وفي العمارة التي شهدت الواقعة، كانت الحياة قد تطهرت بالكامل. أعدتُ تجديد الشقة بالكامل، واستبدلتُ حتى الباب القديم والترباس النحاسي بآخر حديث ومتطور، وكأنني أمحو آخر أثر مادي لتلك الذكرى، مع الإبقاء على الدرس في ذاكرتي للأبد. نزل والدي الحاج عبد الجواد من الصعيد في زيارة خاطفة ليرى سير الأعمال بنفسه. دخل المكاتب الجديدة في الشركة، ورأى إخوتي وهم يديرون القطاعات بكل كفاءة تحت إشرافي. وقف والدي في منتصف الممر الرئيسي، ونظر إليّ بعينين تفيضان بالفخر، ثم قال بصوته الصعيدي الأصيل: “كنت عارف إنك جبل يا سارة.