اخذت ابنتي إلى طبيب الأسنان
محمد عبده
“إنتو بتقولوا إيه؟” صوتي ارتفع لأول مرة. “أنا ما أعرفش أي حاجة عن ده!”
نظر إليّ الضابط بحزن واضح:
“واضح إنك ما كنتيش شايفة الصورة كاملة.”
وهنا… انكسر شيء داخلي.
“فين بنتي؟”
“في مكان آمن.”
“أنا عايزة أشوفها.”
“هنسمحلك قريب… لكن في إجراء لازم يحصل.”
“إجراء إيه؟”
سكت.
ثم قال الجملة التي جعلت قلبي يتوقف:
“لازم نكمل التحقيق مع زوجك.”
—
بعد ساعات.
سمحوا لي برؤيته.
دخلت غرفة الزيارة.
حسام كان جالسًا خلف حاجز زجاجي.
نفس الوجه.
لكن مختلف.
أو ربما أنا من كنت مختلفة الآن.
رفع عينيه نحوي.
لم يبتسم.
لم يغضب.
فقط قال بهدوء:
“كنتِ عارفة إن ده هيحصل.”
صرخت:
“أنا ما كنتش عارفة حاجة!”
أمال رأسه قليلًا.
“كلنا بنختار نصدق اللي يريحنا.”
سكت.
ثم أضاف:
“حتى إنتِ.”
دموعي بدأت تنزل رغمًا عني.
“أنا عايزة بنتي… قولي لي حصل لها إيه!”
اقترب من الزجاج.
صوته انخفض:
“هي أقوى مما تتخيلي.”
“إنت عملت إيه فيها؟!”
صمت طويل.
ثم قال:
“مش كل الحقيقة بتتقال مرة واحدة.”
ثم أضاف جملة أخيرة… كانت الأكثر قسوة:
“وفي حاجات لو اتقالت… ممكن تكسرك أنتِ قبل أي حد.”
—
خرجت من المكان وأنا أرتجف.
لكن هذه المرة… لم أكن ضائعة.
كنت غاضبة.
غاضبة لأول مرة من كل شيء: منه… من نفسي… ومن الصمت الذي سمح لكل هذا أن يحدث.
وفي تلك اللحظة… قررت شيئًا واحدًا.
لن أنتظر الشرطة.
لن أنتظر الطبيب.
لن أنتظر أحدًا.
سأعرف الحقيقة بنفسي.
—
في المساء، ذهبت إلى العيادة مرة أخرى.
كان الطبيب “كريم” هناك.
عندما رآني، فهم فورًا.
“إنتِ قررتي تقرأي الملف كامل؟”
أومأت.
أخرج ورقة أخرى.
“في حاجة ما كنتش عايز أقولها لك قبل كده.”
“قول.”
تنهد.
“في جلسة قديمة… ليلى كانت عند طبيب آخر قبل سنة تقريبًا.”
تجمدت.
“ومين؟”
نظر إليّ:
“نفس نوع الإصابات.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“والدليل… كان موجود من زمان.”
جلست.
“يعني إيه من زمان؟”
أجاب بصوت منخفض:
“يعني الموضوع كان ممكن يوقف بدري جدًا… لو حد كان لاحظ.”
شعرت أن الهواء اختفى.
“تقصد إني أنا؟”
لم يجب.
لكن عينيه كانت الإجابة.
—
خرجت من العيادة.
السماء كانت ثقيلة.
والمدينة تبدو وكأنها لم تعد نفس المدينة.
هاتفي رن.
رقم غير معروف.
أجبت.
صوت ليلى.
“ماما…”
تجمدت.
“ليلى؟! إنتِ فين؟!”
صوتها كان ضعيفًا… لكنه واضح:
“أنا خايفة.”
“إنتِ فين؟!”
صمت.
ثم قالت:
“هو رجع في الحلم…”
ثم انقطع الصوت.