اخذت ابنتي إلى طبيب الأسنان
محمد عبده
كانت تجلس على كرسي، تحتضن نفسها، وعيناها أكبر من عمرها.
لكنها لم تبكِ عندما رأتني.
وهذا كان أكثر ما كسر قلبي.
اقتربت منها ببطء:
“ليلى… حبيبتي… أنا هنا… أنا معاكِ.”
رفعت عينيها نحوي.
قالت بصوت خافت جدًا:
“هو قالك؟”
تجمدت.
“قالني إيه يا ليلى؟”
سكتت.
ثم همست:
“إن لو حكيت… هتخسري كل حاجة.”
شعرت أن جسدي انهار.
“مين قالك كده؟ أبوك؟”
لم تجب.
لكن دمعة واحدة نزلت بصمت.
وكانت الإجابة كافية.
—
خرجت من الغرفة وأنا لا أرى أمامي.
الممرات كانت طويلة، كأنها بلا نهاية.
ثم رأيت الطبيب “كريم” يقف في آخر الممر.
اقترب مني بسرعة:
“مدام… لازم نتكلم.”
“أنا مش فاهمة حاجة… بنتي بتخاف مني ومنه ومن الدنيا كلها!”
تنهد.
“اللي شوفتيه في الأشعة… مش مجرد إصابة.”
“يعني إيه؟”
أخرج ملفًا صغيرًا.
“في علامات قديمة جدًا… مش من حادث واحد… دي حاجة متكررة.”
تجمدت.
“متكررة؟”
أومأ ببطء.
“وفي نمط واضح… الخوف مش جديد.”
جلست على الكرسي خلفي.
“ليه ما حدش قال لي قبل كده؟ ليه أنا؟”
نظر إليّ بحزن:
“لأن الأطفال في الحالات دي… بيتعلموا يسكتوا.”
—
في تلك الليلة، رجعت إلى البيت وحدي مرة أخرى.
لكن هذه المرة… لم أدخله كبيت.
دخلته كمسرح جريمة.
كل شيء بدا مختلفًا.
الصوت… الجدران… حتى الهواء.
وقفت في المطبخ.
نفس المكان الذي قال فيه حسام جملته الأولى الباردة لابنتي.
ثم حدث شيء غريب.
سمعت صوت باب غرفة النوم يفتح ببطء.
تجمدت.
“حسام؟”
صمت.
ثم خطوات.
اقتربت ببطء نحو الممر.
“لو رجعت… لازم نتكلم.”
لكن لا رد.
فتحت باب الغرفة فجأة.
فارغة.
لكن النافذة…
مفتوحة.
وقلبت الريح ستارة خفيفة.
وعلى السرير…
ورقة.
نفس الورق الأبيض البسيط.
اقتربت ببطء.
يدي ترتجف.
فتحتها.
كانت جملة واحدة فقط:
“كنتِ مش شايفة… لأنكِ ما كنتيش عايزة تشوفي.”
سقطت الورقة من يدي.
وفجأة… رن الهاتف.
رقم حسام.
تجمدت.
أجبت بصوت مكسور:
“إنت فين؟”
صوته جاء هادئًا… بشكل مرعب:
“أنا مش عايز أأذي حد.”
صمت.
ثم أضاف:
“لكن في حاجات لو اتقالت… هتكسّر البيت ده للأبد.”
“إنت عملت إيه في بنتي؟!”
رد بصوت منخفض جدًا:
“اسألي نفسك الأول… إنتِ كنتِ فين كل السنين دي؟”
ثم انقطع الخط.
وقفت في صمت كامل.
ثم فجأة…
فهمت أن القصة لم تكن عن ليلى وحدها.
ولا عن حسام فقط.
بل عن شيء أكبر بكثير…
شيء كان يعيش معنا في نفس البيت… وأنا كنت أرفض رؤيته.