دخل غرفة العمليات

دقيقة.. دقيقتين.. والأوضة مفيهاش غير صوت الضغط المنتظم على البالونة. وفجأة، الشاشة بدأت تتحرك.. النبض بدأ يترفع.. 80.. 100.. 120.. والأكسجين بدأ يعلى ويوصل لـ 92%. ولون الولد بدأ يتغير من الأزرق القاتم للوردي. يحيى كح كحة ضعيفة، ورجع يصرخ تاني صرخة مكتومة بسبب الأنبوبة.

ماجد ساب البالونة، وسند بإيديه الاتنين على ترابيزة الحضّانة، ونزل راسه وهو بيتنفس بصعوبة، ودموعه نزلت لأول مرة من سنين. مسح وشه بسرعة وبص للدكتور المقيم: “الولد يفضل على جهاز التنفس الصناعي وضغط إيجابي خفيف لحد ما الرئة تنظف تماماً. ممنوع أي غلطة.. ده ابني.”

الدكتور المقيم بحسم: “تحت أمرك يا فندم، الحالة استقرت تماماً والحمد لله لحقناه في الثواني الأخيرة.”

خرج ماجد من الحضّانة، ومشى في الممر وهو بيجر رجليه. لما قرب من أوضة ولاء، سمع صوت عياطها وصراخها المكتوم واصل لبرة، وجارتها دمنهور قاعدة جنبها بتحاول تهديها.

دخل الأوضة. أول ما شافته، ولاء قطعت العياط وبصتله بعيون حمرا ومنهارة، ومنطقتش.. كانت مستنية تسمع منه كلمة واحدة تحدد حياتها الجاية.

ماجد قرب منها، وملامحه كانت هادية بس تعبانة، وقال بنبرة حنينة ومطمئنة: “عايش يا ولاء. يحيى عايش والحمد لله لحقته بنفسي.. الرئة بتاعته تعبت شوية من مية الولادة بس النبض رجع ممتاز ولونه وردي، وهو دلوقتي نايم في الحضّانة مرتاح.”

ولاء رمت راسها على المخدة وغطت وشها بإيديها الاتنين، وانفجرت في عياط هستيري، بس المرة دي عياط راحة وسجود لربنا. جارتها بدأت تكلّم ربنا وتحمده، وماجد شاور للجازة تخرج وتسيبهم لوحدهم. الست فهمت وخرجت وقفلت الباب.

قعد ماجد على طرف السرير، ومد إيده بالراحة وحطها على كتف ولاء. المرة دي هي مشالتش إيده، كانت أضعف من إنها تقاوم، ومحتاجة أي أمان بعد الرعب اللي عاشته.

“ولاء.. بصيلي أرجوكي.” قالها ماجد بصوت مكسور.

ولاء شالت إيديها وبصتله، ودموعها مغرقة وشها: “عايز إيه تاني يا ماجد؟ ابني وعرفت إنه بخير.. عايز مني إيه؟”

ماجد اتنفس بعمق وقال: “أنا عارف إني غلطت في حقك غلط عمره ما يتصلح بكلمتين. وعارف إن قسوتي معاكي يوم ما سبتك كانت كفيلة تكرهك فيا طول العمر. بس قسماً بالله يا ولاء، أنا مكنتش عايش من بعدك. سافرت وروحت وجيت، والبيت كان فاضي عليا.. كنت مفكر إن المشكلة في الخلفة، بس لما مشيتي اكتشفت إن المشكلة إني خسرتك انتي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *