انا موظفة في شركة كبيرة
شريف وشة احمر وعينه برقت، قرب منها لدرجة إن أنفاسه الغضبانة بقت في وشها: “لا يا هانم! أمي وأبويا ملتزمين مني أنا.. أنا ابنهم، والراجل ملزم بأهله. أما أمك إنتِ.. مش ملتزم بيها، ولا أنا ولا فلوس بيتي!”
مريم صرخت في وشه وعينها مليانة دموع وعند: “ومحدش قالك التزم بيها! دي أمي أنا.. وأنا اللي ملتزمة بيها، وفلوسي هي اللي هتروح لها، ومش شريف اللي هيمنعني عن الست اللي عملتني بني آدمة!”
القلم نزل على وش مريم قبل ما تكمل كلمتها. الصوت عمل صدى في الشقة. مريم حطت إيدها على خدها، الصدمة شلت لسانها، بس عيونها مكانتش عيون ست مكسورة.. كانت عيون ست بتعلن الحرب. شريف ساب الشقة ورزع الباب وراه بأقوى ما عنده، لدرجة إن زجاج النيش اتهز وطلع صوت رنين حزين.
الساعة كانت اتنين بعد نص الليل لما مريم وصلت بيت أمها في “شبرا”. الشوارع الضيقة كانت هادية، وصوت كلاب السكك بينبح من بعيد. طلعت السلم وهي ساندة على الحيطة المقشرة، دموعها جفت بس قلبها كان قايد نار. فتحت الباب بالمفتاح القديم بتاعها.
الست “أم أحمد” كانت قاعدة على الكنبة الإستوديو، لافة شال صوف على كتافها وبتقرأ في كتاب صغير تحت ضوء لمبة سهاري ضيفة. أول ما شافت مريم، قلبت نظارتها وقامت مخضوضة: “مريم؟ خير يا بنتي؟ إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ وشريف فين؟”
مريم رمت نفسها في حضن أمها. الحضن الدافي اللي ريحته بخور ومية ورد، الحضن اللي كانت بتهرب ليه وهي عيلة صغيرة لما المذاكرة تصعب عليها. مريم اتنهدت بصوت عالي: “تعبانة يا ماما.. تعبانة أوي.”
الست أم أحمد طبطبت عليها، وعينها الخبيرة لقطت الحمار اللي على خد بنتها. ملامح الست العجوزة اتغيرت، وظهرت فيها قساوة الزمن وشقا السنين: “ضربك؟ عشان الفلوس يا مريم؟ مش أنا قولتلك يا بنتي بلاش؟ قولتلك الراجل طالما عرف إن مراته بتشيل أهلها من وراه، الشيطان بيلعب في دماغه ويقول دي بتسرقني.”
مريم رفعت راسها وعينها بتطق شرار: “أسرقه؟ أسرق مين يا ماما؟ ده أنا اللي شايلة البيت! أنا اللي بطلع تمن الإيجار، وتمن القسط، وتمن اللبس.. هو مرتبه يدوب بيكفي مصاريفه ومصاريف أهله اللي مبيشبعوش! أنا مش زعلانة عشان عرف.. أنا زعلانة إني كنت مأمنة لواحد ميسواش.”
الست أم أحمد هزت راسها بأسى: “البيوت أسرار يا بنتي، والراجل الشرقي يموت ولا إن مراته تقوله أنا بكسر عينك بفلوسي. إنتِ غلطتِ لما قولتِ له مرتبِي أضعاف مرتبك.. دي تكسر رقبة أي راجل وتخليه يتحول لـ وحش.”